مقالات

من مرسوم دقلديانوس إلى دم غللينيوس

من مرسوم دقلديانوس إلى دم غللينيوس

دينا أبو شادي

ـ حين خاف العرش من الصليب :

في عام 303م، ومع مرسوم دقلديانوس الذي حوّل القانون إلى أداة قمع، بدأ فصلٌ مظلم في تاريخ الإمبراطورية الرومانية، فصلٌ لم يكن بطله إمبراطورًا متوّجًا، بل شهيدًا يُدعى غللينيوس.

في ذلك العام الذي صار لاحقًا يُعرف بـ عام الشهداء، لم يكن الاستشهاد مجرد نهاية لحياة، بل إعلانًا صامتًا عن فشل العنف في كسر الإيمان، فاختار غللينيوس الموت على أن يساوم على يقينه، ليترك خلفه شهادة لم تمحُها المراسيم ولا طواها الزمن، ويثبت أن بعض الهزائم الظاهرة تُخفي في جوهرها أعظم أشكال الانتصار.

ـ تحويل القانون إلى سكين :

ظهر دقلديانوس من خلفية عسكرية متواضعة، وصعد سريعًا في صفوف الجيش حتى أصبح إمبراطورًا عام 284م، مسيطرًا على الإمبراطورية الرومانية بعد فترة من الفوضى والانقسامات الداخلية. كما أنه كان معروفًا بطموحه الجامح وعقله الاستراتيجي الحاد، فقام بإصلاحات جذرية في الإدارة والجيش، وأعاد تنظيم الضرائب لتثبيت سلطته على الأقاليم، خاصة مصر… التي اعتبرها مركزًا اقتصاديًا حيويًا.

أسس نظام التتراركية Tetrarchy، وتعني “حكم الأربعة”، وهو نظام حكومي يقسم السلطة بين أربعة حكام، حيث إنه يعين إمبراطورين ويُسمَّوا أوغسطس، ولكل واحد منهم قيصر يساعده، واشتهر هذا النظام في عهد دقلديانوس.

كما أنه أدخل قوانين صارمة جعلت الطاعة المطلقة مطلوبة للحياة اليومية، ورأى في المسيحيين تهديدًا لوحدة الدولة، فبدأ اضطهادهم بعنف، ما أدى إلى عام الشهداء. وعلى الرغم من أن شخصيته جمعت بين الذكاء العسكري والصرامة السياسية، إلا أنه مات تاركًا وراءه إرثًا متناقضًا… رجل قادر على البناء والتنظيم، لكنه أيضًا رمز للسلطة القمعية التي لم ترحم أحد.

ـ غللينيوس: إنسان تقي في زمن لا يرحم :

في 2 طوبة، تتجلى شجاعة القديس غللينيوس أسقف أوسيم، الرجل الذي كرس حياته لتعليم شعبه وتعزيز إيمانهم المسيحي، رافضًا عبادة الأوثان والانصياع للسلطة الظالمة. تميز بالحكمة والرحمة، وكان قلبه مفتوحًا لكل مؤمن يحتاج إلى دعم وتعليم.
وفي ذلك اليوم عرفه دقلديانوس بأمره، وأمر الجنود بالقبض عليه. ولكن قبل أن يسلم نفسه للجنود، اجتمع القديس بشعبه وأقام القداس الإلهي، مناولًا لهم الأسرار المقدسة وسط دموع وحزن الحاضرين.

تعرض لتعذيب شديد لدرجة أن شُقّت يداه حتى كتفه، ولكنه ظل محتملًا حتى استشهد، ووضعوا جسده على تل. سار المؤمنون بإرادة الرب وكفنوه محافظين على قدسيته، وحتى يومنا هذا ذكراه ليست مجرد ذكرى… بل درس خالد عن التمسك بالإيمان.

ـ الإمبراطورية زالت… والشهادة بقيت :

كان تقويم الشهداء ليس فقط لتخليد ذكرى الشهداء، ولكنه كان رمزًا للشجاعة والفخر التي يمتلكها المصري، الذي تمسك بعقيدته وفكره حتى الموت. ولم يتم عمل شهور حديثة، بل إنهم استعانوا بالشهور المصرية القديمة (مثل توت، بابا، هاتور) جنبًا إلى جنب مع التقويم الروماني، لتصبح كل يوم علامة على الشجاعة التي امتلكها الرجال والنساء في هذا الوقت.

وسُجلت أسماؤهم لتبقى في الذاكرة، لا مجرد تواريخ عابرة، بل عبرة ورسالة للأجيال:
أن الروح لا تُقهر بالسيوف، وأن الإيمان قادر على صنع التاريخ رغم كل محاولات الطمس.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

زر الذهاب إلى الأعلى