العيب فينا

403

 

                                            طالب غلوم طالب                                                           كاتب وباحث إماراتيّ

 

تعدُّ قصيدة الإمام الشافعي من أجمل القصائد التي يصف فيها صلف البشر وقسوتهم ومدى تفشي ظواهر الأنانية والنفعية والبراجماتية رغم عدم ظهور مثل هذه المصطلحات في عصره وإنما استطاع أن يصف بصدق الحالة التي آلت إليها المجتمعات العربية الحالية حينما قال :

نـعـيـب زمـانـنا والـعـيب فـيـنا

ومـــا لـزمـانـنا عــيـب سـوانـا

حيث تحمل منا الزمن الكثير من اللوم والعتاب رغم أنه لم يسيء إلى البشر فيرمون عليه أخطاءهم ومشكلاتهم التي يعانون منها ليتفوه البعض بأقوال مثل: (أه منك يا زمن) أو (غدر الزمان) أو ( الله يرحم الزمان ) ، وكأن الزمان هو الذي تغيّر حاله وليس البشر لما عاصروه من تغيرات ثقافية واجتماعية وحضارية مختلفة على مر العصور ، فكيف نرمي اللوم على الزمن والعيب فينا وليس في للزمن تأثير في طباعنا وعاداتنا بل هو تبدل وتغير اجتماعي وثقافي يحدث في القيم والمعايير التي تحكم عاداتنا وتقاليدنا ، فقد تغيرت النفوس وتبدلت نظم العلاقات الاجتماعية ولم تعد القيم التي كان يحكم بها أجدادنا هي نفس القيم والتي يتم الحكم بها على سلوكيات البشر الحالية خاصة مع طغيان بعض المفاهيم الحديثة على المجتمعات العربية مثل العولمة والبراجماتية والميكافيلية وغيرها من المصطلحات التي تؤكد أنانية الإنسان وظهور عبارات تؤكد هذه المصطلحات مثل (أنا ومن بعدي الطوفان) و ( نفسي ثم نفسي ثم نفسي ثم الآخرين) وغيرها من المقولات التي انتشرت في مجتمعاتنا العربية والتي تعكس الحالة النفعية التي استشرت في المجتمعات العربية

فطبيعة الحياة والفكر والثقافة كانت تختلف سابقاً عما هي عليه حالياً ومن مظاهر التغير الحالي ضعف الروابط الأسرية والتواصل بين أفراد الأسرة حيث تشهد الأسرة العربية تفككاً لم يكن موجوداً خلال العصور السابقة بسبب تراجع سلطة الوالدين في السيطرة وضبط سلوك الأبناء ، كذلك علاقة الرجل بالمرأة تبدلت وتغيرات عما كان سابقاً فقيم الاحتشام والجماعية والطاعة تعد عناصر أساسية تحكم العلاقة بين الرجل والمرأة وكذلك تحكم العلاقة بين أفراد الأسرة كجماعة تتوحد فيها المسئولية وتتماثل فيها الذات مع الجماعة وعلى وجه التحديد تربط هذه القيمة سلوك المرأة بصورة الرجل وهيمنته وقوته وسط أفراد أسرته ؛ إلا أن القيم الاجتماعية التي حملتها الأم في المسلسلات هي : حب التباهي والمظاهر و النظرة المادية للحياة وربط الزواج بالمصالح المادية والشخصية وربط العلاقات الاجتماعية بالمصالح

كما تراجعت وتغيرت القيم الأصلية في المجتمع العربي لتحل محلها قيم ذات صبغة نفعية وربحية واستهلاكية

ولهذه التغيرات الثقافية والحضارية تأثير كبير أيضاً في تأخر سن الزواج عند الأبناء إلى حين إتمام دراستهم والحصول على وظيفة كما أن القيمة الاجتماعية اليوم بما يحصله من علم وما يملكه من رصيد بنكي فأصبح الأفراد يقيمون بعضهم على أساس حجم ثروتهم وممتلكاتهم المادية وعلي نوع السيارة وقيمة المنزل ومكانه وتأثيثه…!!.. فهي معايير مهمة جداً لكسب مركز محترم في أعين الآخرين ….

كما ظهر الانحراف الأخلاقي والسلوكي لدى الشباب في ظل ضعف الوازع الديني والأخلاقي وضعف سلطة الأب في الأسرة فقد ظهرت بعض الظواهر الدخيلة على الأسرة العربية مثل السرقة والانحلال الأخلاقي والاعتداء والسطو وتعاطي المخدرات والمثلية الجنسية ومحاولة الضغط على المجتمعات العربية للاعتراف بها لإضفاء الحماية والشرعية على مثل هذه السلوكيات والعلاقات الشاذة لنجد معها محاولة لمسخ القيم التي تمثل خصوصية المجتمع والتي هي نابعة من الإسلام والإتيان بأخرى لها معاني مختلفة فمثلاً هؤلاء الذين يرفضون فكرة الزواج ويفضلون حرية العيش الثقافي أصبحوا يلقبون بــ (أشخاص متفردين) أما الفتيات اللاتي مارسن الجنس في صغرهن وحملن سفاحاً يتمتعن بقدر من الاحترام والرعاية ويلقبون بــ (المراهقات الحوامل) أما من تتزوج شرعياً في مثل هذه السن فإن هذا الزواج يلقب بانتهاك حقوق الطفلة الأنثى ؛ ألا يعد هذا انتهاك للمجتمعات العربية أجمع وانتهاكاً لنظمها القيمية والسلوكية وعاداتها وتقاليدها لذا لم يخطئ الإمام الشافعي حين قال :

ونـهـجو ذا الـزمان بـغير ذنـب

ولـو نـطق الـزمان لـنا لـهجانا

اقرأ أيضاً

أمير أبورفاعي ضيفاً للحديث عن مؤتمر المناخ COP27 عبر أثير الاذاعة

قد يعجبك ايضآ