حوارات

الكاتبة سماء زعانين في حوار خاص لرؤية وطن.. «الأرجوحة» ليست عن الحرب بل عن الإنسان بعدها

من غزة إلى معرض القاهرة.. رواية «الأرجوحة» شاهدة على صمود الإنسان

حوار: آيات مصطفى 

ليست كل الحروب تُروى من صوت الانفجارات، فبعضها يختبئ طويلًا في النفس، ويترك أثره في الذاكرة، وفي الحب، وفي قدرتنا على النجاة.

في روايتها «الأرجوحة»، لا تكتب الكاتبة الفلسطينية سماء زعانين عن الحرب بوصفها حدثًا عابرًا، بل كحالة وجودية طويلة الأمد، تستمر داخل الإنسان حتى بعد أن يصمت القصف.

هذا الحوار ليس قراءة في رواية فقط، بل اقتراب إنساني من تجربة أدبية تضع النفس البشرية في مواجهة أسئلتها العميقة: كيف ننجو؟ ماذا يتبقى منا؟ وهل يمكن للحب أن يكون خلاصًا في عالم مكسور؟
من غزة، ومن خلفية علمية ونفسية، تنسج سماء زعانين نصًا هادئًا وقاسيًا في آن واحد، وتقدّم عبر «الأرجوحة» شهادة أدبية صادقة عن الإنسان بعد الحرب، لا خلالها.

 

1. بدايةً، كيف تحبين أن تُعرّفي نفسك للقراء: كاتبة، أم باحثة في النفس الإنسانية، أم شاهدة على التجربة الإنسانية؟

أحب أن أعرّف نفسي ككاتبة تُنصت للنفس الإنسانية أكثر مما تكتب عنها، وكشاهدة تحاول أن تمنح التجربة البشرية — خصوصًا في لحظات الانكسار — لغةً أكثر رحمة وصدقًا، وأكثر قدرة على النهوض.

2. نشأتِ في غزة، وسط واقع شديد القسوة، كيف أسهم هذا المكان في تشكيل وعيك الأدبي والإنساني؟

غزة هي حالة وجودية. هناك يتعلّم الإنسان مبكرًا معنى الهشاشة والقوة معًا، ومعنى أن تحيا وأنت تعرف أن الحياة نفسها ليست مضمونة، ومعنى أن تزرع الصبر والأمل وسط بيئة تقتلعُهما كل يوم. هذا الوعي جعل الكتابة عندي فعل إنقاذ للمعنى وسط الفقد، ومحاولة مستمرة لترميم الإنسان من الداخل، لا لوصف الخراب فقط.

3. تجمعين بين خلفية علمية في تكنولوجيا المعلومات ودراسة علم النفس، كيف انعكس هذا التنوع على كتابتك؟

تكنولوجيا المعلومات منحتني حسّ البنية والتنظيم، بينما منحني علم النفس القدرة على الإصغاء لما لا يُقال، والإحساس بما خلف السلوك. الكتابة عندي أصبحت مزيجًا بين هندسة النص من الخارج، والغوص في تعقيدات النفس من الداخل.

الكاتبة سماء زعانين في حوار خاص لرؤية وطن.. «الأرجوحة» ليست عن الحرب بل عن الإنسان بعدها
الكاتبة سماء زعانين في حوار خاص لرؤية وطن.. «الأرجوحة» ليست عن الحرب بل عن الإنسان بعدها

4. لماذا اخترتِ عنوان «الأرجوحة»؟ وما رمزيته في سياق الرواية؟

الأرجوحة ترمز للحالة الوجودية المتأرجحة بين الأمل واليأس، الذاكرة والنسيان، الحياة والموت النفسي. أبطال الرواية لا يقفون في نقطة ثابتة، بل يعيشون دائمًا في هذا التعليق المؤلم بين ما كان وما لا يعود. وهي أيضًا رباط الود والمحبة الذي يعيد النفوس — مهما اهتزت وابتعدت وعلت أو سقطت — إلى موطنها الأصلي ومرتع طفولتها وذكرياتها.

5. الرواية تصف الحرب من داخل النفس لا من ساحة المعركة، هل كان هذا خيارًا واعيًا منذ البداية؟

الرواية تصف الحرب من الداخل والخارج معًا، لكنها ركزت بشكل خاص على أثرها في النفس البشرية حتى بعد انتهائها، فتتبّعت حياة الشخصيات مستقبلًا حتى عام 2029.
كان ذلك خيارًا واعيًا منذ البداية؛ فالحرب لا تنتهي بانتهاء القصف، بل تستمر داخل الإنسان طويلًا. أردت أن أكتب عن المعركة التي لا تُرى: معركة النجاة الداخلية.

6. شخصية «ورد» تبدو ممزقة بين الذاكرة والنسيان، إلى أي مدى تمثل هذه الشخصية واقعًا نفسيًا شائعًا لدى الناجين من الحروب؟

كتبتُ تحت عنوان روايتي: «مستوحاة عن قصص حقيقية»، وهي كذلك فعلًا، وربما لا تشكّل قصص شخصيات الرواية سوى نقطة من بحر المأساة التي عاشها الغزاويون خلال الحرب.
ورد ليست حالة استثنائية؛ فهي تمثيل لكثيرين فقدوا أجزاء من ذاكرتهم أو ذواتهم تحت وطأة الصدمة. التمزق بين التذكّر والنسيان آلية دفاع أكثر منها ضعفًا، وهو واقع نفسي واسع بين الناجين من الحروب.

7. في الرواية، الحب متهم بالخيانة، هل ترين أن الحرب قادرة على تشويه أنقى المشاعر الإنسانية؟

الظروف اللا إنسانية قد تُحوّل بعض البشر إلى وحوش كاسرة، وتطحن البعض الآخر. نعم، الحرب لا تقتل الجسد فقط، بل تربك الحب، وتشوّه الثقة، وتجعل حتى المشاعر النقية متهمة بالخيانة أو الضعف. لكنها في الوقت ذاته تختبر جوهر الحب: هل هو هش أم قادر على النجاة؟ وتختبر نقاء صورة الإنسان الداخلية وقدرته على السير ضمن مسار نبيل في أقسى الظروف.

8. كيف ساعدتك دراستك لعلم النفس في بناء الصراع الداخلي للشخصيات؟

كل صراع داخلي، إذا أعدناه إلى مصدره، سنجد الخوف. الخوف هو المسبب الأساسي لتشكّل الصراعات داخل النفس البشرية، ومنه يتولد الألم. ساعدني علم النفس على كتابة الألم لا بوصفه حدثًا، بل بوصفه مسارًا نفسيًا: كيف يتشكل الخوف، وكيف تتفكك الهوية، وكيف يُعاد بناء الإنسان ببطء شديد بعد الصدمة.

9. الحضور الروحي واضح في الرواية، هل تعتبرين الكتابة وسيلة للشفاء الذاتي قبل أن تكون فعلًا إبداعيًا؟

نعم، لكنها ليست شفاءً كاملًا بقدر ما هي رفقة للجرح. الكتابة لا تمحو الألم، لكنها تمنحه لغة ومعنى، واللغة بداية التعافي.

10. هل تؤمنين بأن الأدب قادر على ترميم الأرواح المكسورة، أم فقط يمنحها لغة للتعبير عن الألم؟

أؤمن أنه يفعل الأمرين معًا. أحيانًا يكفي أن يجد الإنسان اسمه في وجع آخر ليشعر أنه أقل وحدة، وهذه بحد ذاتها بداية ترميم.

11. في «الأرجوحة»، لا ينجو الأبطال بالكامل حتى بعد انتهاء الحرب، هل هذا انعكاس لواقع ما بعد الصدمة؟

النجاة ليست حدثًا فجائيًا، بل عملية طويلة وصعبة ومعقدة تتطلب الكثير من الوعي ومجاهدة النفس. ما بعد الصدمة ليست مرحلة تُغلق، بل بداية لمسار إعادة تشكّل بطيء، وغالبًا غير مكتمل.

12. هل يمكن للحب، كما ترينه في الرواية، أن يكون خلاصًا حقيقيًا أم أنه أحيانًا يتحول إلى اختبار قاسٍ للروح؟

هو الاثنان معًا. في ظروف الهشاشة القصوى، يصبح الحب مرآة عميقة للذات: إما أن يكون ملاذًا، أو امتحانًا يكشف هشاشتنا غير المعالجة.

13. ما الرسالة الإنسانية الأهم التي أردتِ إيصالها من خلال العلاقة بين «ورد» و«يوسف»؟

أن اللقاء الإنساني الصادق يمكن أن يكون شكلًا من أشكال المقاومة ضد التفكك الداخلي.

14. كيف تنظرين إلى موقع الأدب الفلسطيني اليوم في المشهد العربي؟

الأدب الفلسطيني اليوم أكثر تنوعًا وعمقًا من كونه أدب قضية فقط؛ هو أدب الإنسان في قلب المأساة، وأدب الأسئلة الوجودية، والذاكرة، والنجاة، والبحث عن المعنى وسط الركام.

15. هل تشعرين أن الكاتبة الفلسطينية تُحمَّل مسؤولية مضاعفة في تمثيل القضية والإنسان معًا؟

نعم، تُطالَب بأن تكون صوت القضية وصوت الإنسان معًا، وأن تكتب الجرح بصدق دون أن تُختزل فيه، وهذا عبء ثقيل لكنه شرف أخلاقي أيضًا.

الكاتبة سماء زعانين في حوار خاص لرؤية وطن.. «الأرجوحة» ليست عن الحرب بل عن الإنسان بعدها
الكاتبة سماء زعانين في حوار خاص لرؤية وطن.. «الأرجوحة» ليست عن الحرب بل عن الإنسان بعدها

16. بين «رسل الشفاء» و«الأرجوحة»، ما التحول الأبرز الذي طرأ على تجربتك الكتابية؟

انتقلتُ من الكتابة التأملية العلاجية المباشرة إلى السرد الروائي النفسي المركّب، حيث صار الشفاء سؤالًا مفتوحًا لا إجابة جاهزة له.

17. من هو القارئ الذي تتمنين أن تصل إليه رواية «الأرجوحة»؟

كل إنسان خرج من تجربة موجعة وهو يشعر أن شيئًا ما فيه انكسر ولم يجد له اسمًا بعد، وكل إنسان قادر على أن يشعر بوجع غيره دون أن يجرّبه، وكل واعٍ يلتقط الرسالة الكامنة خلف النص، وكل متذوّق للغة العربية يجد في لغة الرواية ما يُمتع روحه ويُسرّ قلبه.

18. ما الشعور الذي تحبين أن يرافق القارئ بعد إغلاق الصفحة الأخيرة من روايتك؟

الأمل، يجاوره هدوء داخلي يشبه البكاء الصامت، وإحساس خفيف بأن الألم مفهوم، وأن النجاة ممكنة ولو ببطء.

19. كيف ترين، من موقعك ككاتبة فلسطينية، أهمية معرض القاهرة الدولي للكتاب؟

هو مساحة حيوية لعبور الصوت الإنساني العربي خارج الحدود السياسية والجغرافية، وجسر حيّ بين الكاتب والقارئ. بالنسبة لي، هو لقاء مباشر مع القارئ العربي في لحظة صدق إنساني نادرة، تسمح للصوت الحقيقي أن يصل.

20. ما الذي تعملين عليه حاليًا بعد «الأرجوحة»؟

أعمل حاليًا على رواية جديدة خيالية ديستوبية تمزج بين البعد النفسي والرمزي والإنساني، وتتناول قضايا السيطرة على العقول والإبادة الجماعية، إلى جانب الحفاظ على الهوية وطرق النجاة والأمل، مع الحفاظ على المسار النفسي الروحي ذاته الذي يميّز تجربتي.

21. ما النصيحة التي تقدمينها للكتّاب الشباب؟

اكتبوا بصدق لا بإعجاب، وبشجاعة لا بتقليد. اصنعوا هويتكم الخاصة، ولا تبحثوا عن الصوت العالي، بل عن الصوت الحقيقي داخلكم — فهو وحده القادر على الوصول.
ولا تنسوا: أي كتابة لا تحمل رسالة سامية لا يُعوّل عليها.

22. لو كانت «الأرجوحة» رسالة واحدة مختصرة، ماذا تحبين أن تقولي للإنسان الذي خرج من الحرب بأشلاء غير مرئية؟

ما انكسر فيكم ليس ضعفًا، بل أثر النجاة. أنتم لستم خرابًا مؤجلًا، بل حياة تعيد ترتيب نفسها ببطء… وهذا بحد ذاته أنبل أنواع البطولة.

23. لماذا تنصحين القارئ بقراءة «الأرجوحة» اليوم تحديدًا؟

لأنها ليست رواية عن الحرب فقط، بل عن الإنسان بعد الحرب، عن التشققات غير المرئية التي نحملها بعد خوض معاركنا، وعن الحب حين يتحول إلى محاولة نجاة، وحين يصبح مرآتنا العاكسة لصورتنا الحقيقية، وعن الذاكرة حين تصبح وطنًا بديلًا.
«الأرجوحة» رواية لكل من يبحث عن سلوى وسط الألم، وعن ضوء صغير في عتمة التجربة الإنسانية.

الكاتبة سماء زعانين في حوار خاص لرؤية وطن.. «الأرجوحة» ليست عن الحرب بل عن الإنسان بعدها
الكاتبة سماء زعانين في حوار خاص لرؤية وطن.. «الأرجوحة» ليست عن الحرب بل عن الإنسان بعدها

وبهذا الحوار، لا تترك سماء زعانين القارئ أمام نص أدبي فقط، بل أمام تجربة إنسانية كاملة، تُعيد تعريف معنى النجاة، وتمنح الألم لغة، والحب فرصة أخيرة للتماسك.
وتشارك رواية «الأرجوحة» الصادرة عن ديوان العرب للنشر والتوزيع في معرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث يمكن للقراء لقاء هذا العمل الإنساني العميق في القاعة 2 – جناح A16، واصطحاب رواية تُقرأ بالقلب قبل العين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى