
مصير كتب الأندلس بعد سقوطها
مصير كتب الأندلس بعد سقوطها
سلمى مندور
الصراعات القائمة على الاختلافات الإيديولوجية تجعل البعض يلجأ إلى استعمال النيران لإنهائها، وذلك في مختلف العصور وبقاع الأرض؛ بهدف محو تاريخ فئة ما من الذاكرة واقتلاعها من جذورها؛ حيث أن الكتب تمثل جانب كبير من الأفكار والقناعات لهم، وقد جاءت من ضمنها حادثة إحراق الكتب الأندلسية في غرناطة.
لنتعرف أكثر عن حادثة إحراق كتب الأندلس وآراء المؤرخين والكُتاب حولها.
عام 1501م أصدرت الملكة إيزابيلا قرارًا بحرق جميع الكتب الأندلسية، وأشرف على ذلك الكاردينال سيسنيروس، الذي قام بإحراق مكتبة مدينة الزهراء في ساحة ميدان باب الرملة بغرناطة والتي ما تزال تحمل هذا الإسم حاليًا، وكان بها ما يزيد عن 600,000 مخطوط، في نقض صريحة لبنود معاهدة تسليم غرناطة؛ لتختفي على إثرها العديد من المخطوطات وأمّهات الكتب التي عمل عليها علماء الأندلس، ويقال إن بعض الجنود الذين كلّفوا بالقيام بهذه المهمّة كانوا يخفون بعض هذه الكتب لفرط جمالها، كما كتب بعضها بماء الذهب والفضة.
دون ألفار جوميث – المختص في سيرة الكاردينال سيسنيروس”إن خمسة آلاف كتاب تم إحراقها في هذه الساحة”.
ووفقًا للدكتور خابيير لوبيث خيخون – أستاذ في جامعة غرناطة “إن عملية الإحراق التي أشرف عليها الكاردينال سيسنيروس، تعتبر إبادة حقيقية لأجيال طويلة من البحث والتأليف”.
الكاتب البريطاني ريتشارد أوفندن من خلال كتابه تاريخ الهجوم على المعرفة “كان هناك أكثر من 70 مكتبة فى إسبانيا الإسلامية، ولم يعرف العالم أمة أحرقت كتب غيرها من الأمم أكثر من إسبانيا، وأضاف أن بعض الجنود المكلّفين بإحراق الكتب كانوا يخفون عددًا منها في أرديتهم لفرط جمالها وروعتها، إذ كان كثير منها مكتوبًا بماء الذهب والفضة”.
دونت الباحثة كارمن رويث برافو – من جامعة مدريد عن تأثير تلك الحادثة “أثر في ذاكرتنا وتجربتنا الجماعية تأثير المأساة والفقدان”.
وسجل المؤرخ الإسباني إيتشيبيريا في كتابه جولات في غرناطة ونواحيها ”إن عدد الكتب الإسلامية الأندلسية التي تم إحراقها في ساحة الرملة عام تتجاوز مليون وخمسة وعشرون ألف كتاب، كما إنه لم يتم إحراق كل الكتب الأندلسية في ذلك الوقت، وأنه تم إنقاذ آلاف الكتب التي تم حملها إلى منطقة ألكالا دي إيناريس قرب مدريد”.
كما دون هاينريش هاينه عبارته الشهيرة “من يحرق الكتب سيحرق الناس في النهاية.
ووفقًا للمؤرخ العراقي عبد الرحمن الحجي”إنه بعد سقوط الأندلس أمرت السلطات الإسبانية الجديدة عبر التهديد والوعيد ومحاكم التفتيش بتسليم ما لديهم من الكتب والمخطوطات؛ حيث أن عملية جمع الكتب استمرت 7 سنوات، وبعد ذلك أُحرقت الكتب والمخطوطات التي تم جمعها في غرناطة، وقَدر كثير من الدارسين الغربيين ما تم إحراقه ذلك اليوم بنحو 1,000,000 مخطوطة”.
على الرغم من ذلك كان هناك عددًا من الكتب نجت من الحرق، وقد تواجدت في مختلف البلدان الأوروبية، والتي تم تهريبها سراً وبيعها خارج الأندلس، كما وضعت في كنائس إسبانيا ليستفيد منها الرهبان، ومنها الخزانة الزيدانية في مكتبة الإسكوريال في مدريد، وهي من مخطوطات تعود لمكتبة السلطان زيدان بن أحمد المنصور الذهبي من حكام السعديين في المغرب ، وكان أحمد المنصور وابنه لديهما ولع بجمع الكتب، وأثناء نقلها من المغرب استولى عليها قراصنة إسبان في عرض المحيط الأطلسي سنة 1612م، وأهديت إلى الملك فيليبي الثاني، الذي كان في تلك الفترة يبني دير للقدّيس لورينثو، ووضعهم في الدير والتي بقيت هناك حتى الآن.
كما ارتحل كثير من المسلمين بكتبهم خارج بلاد الأندلس، منها عائلة بني القوطي التي هاجرت من طليطلة إلى تمبكتو في مالي، وقد اكتشفت كتب تعود للقاضي علي بن زياد القوطي، الذي حمل أثناء هجرته كتب كثيرة، وقد آلت ملكيتها إلى أولاده ثم إلى مكتبة تمبكتو حتى وقتنا الحالى
فقد أكتشفت آلاف الكتب العلمية في مجالات الطب والهندسة والفلك والرياضيات وغيرها، والتي لعبت دورًا كبيرًا في النهضة العلمية والثقافية التي عرفتها أوروبا خلال تلك الفترة.







