التاريخ والآثار

نفيسة البيضاء أم المماليك

نفيسة البيضاء أم المماليك

سلمى مندور

 

سبيل سعادة ومراد عز .. وإقبال لمحسنة رئيسهْ
يسرك منظر وبديع صنع .. وتعجب من محاسنه الأنيسهْ
جرى سلساله عذب فرات .. فكم أحيت به مهجا بئيسهْ
نؤرخه سبيل هدى وحسن .. لوجه الله ما صنعت نفيسهْ

نقش على سبيل البيضاء لا يزال يحكي قصة صاحبته.

لنتعرف أكثر عن ماهيته البيضاء والسبيل الذي أقامته

● التعريف بالبيضاء
هي نفيسة قادن بنت عبدالله البيضاء، ولدت عام 1743م، كانت جارية شركسية اشتهرت باسم نفيسة البيضاء.

● زواجها الأول
اشتراها علي بك الكبير، وقد دون المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي عنها في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار كالآتي: “استطاعت أن تأسر قلب علي بك الكبير، صرعته بجمالها وسطوتها، فتحولت الجارية إلى زوجة، تأمر فتطاع، تتمنى فتتحقق الأمنيات، فتنت رجل طائفة المماليك الشراكسة الأول، الذي لم يكن يشغله سوى مشروعه استقلال مصر”، وقام ببناء قصرًا لها في حي الأزبكية، وبعد مقتله في الشام في العام 1773م امتلكت ثروة كبيرة.

● زواجها الثاني
أجبرت نفيسة على الزواج بالأمير مراد بك الذي فتن بها، وكان زواجه منها نظير مساعدته لمحمد بك أبو الدهب للتخلص من زوجها، ولذلك لقبت بـ نفيسة المرادية، وكان مراد يحكم مصر مناصفة مع إبراهيم بك بعد موت محمد بك أبو الدهب لمدة تزيد عن عشرين عامًا.

● ثروة نفيسة وأعمالها الخيرية
مراد بك كان مكروه من المصريين، وعلى النقيض تمامًا كانت نفيسة، التي كانت تدير ثروتها التي ورثتها من على بك الكبير بشكل مستقل؛ حيث امتلكت عددًا من القصور والبيوت ووكالات التجارة وجيشًا مكون من 400 من المماليك، وأسطولاً من السفن على النيل، و 56 جارية واثنين من الخصيان في قصرها، عرف عنها عطائها للمحتاجين؛ حيث لم تنساهم نفيسة من ريع تجارتها، وأقامت سبيلاً للماء يعلوه كُتاب لتعليم الأطفال الأيتام مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم، كما كان يوجد حمامين ومكانًا لإيواء الفقراء والحرفيين مقابل أجرة شهرية بسيطة، وقد شيد ذلك الصرح على بعد خطوات من باب زويلة؛ حيث كان ينطلق موكب الحج إلى بيت الله الحرام، وعرفت هذه المجموعة باسم السكرية.

● الحملة الفرنسية
مع مجئ الحملة الفرنسية على مصر، دارت بين مراد بك وبين نابليون عدة معارك في الجيزة ثم البحيرة، وعندما هزم جيش مراد بك أمام القوات الفرنسية في موقعة الأهرام في 21 يوليو عام 1798م، هرب مراد إلى الصعيد واستمرت المواجهات بينهما هناك، ولكن نفيسة إقامة علاقة ودية مع الفرنسيين، وكانت تسمح بعلاج الجنود في قصرها، كما استضافت نابليون بونابرت واقامت له مأدبة فخمة للعشاء، وأهداها حينها ساعة مرصعة بالألماس، كما أهداها ديجنت طبيب الحملة خمسين نسخة من كتاب عن الجدري في مصر.
وعندما اشتد الصراع بين بونابرت ومراد بدأ بتوجيه تهمة إخفاء ثروات المماليك الفارين للصعيد لنفيسة، واقتحم مرات عديدة قصرها، وصادر بعض ممتلكاتها، كما قبض على بعض نساء أمراء المماليك، وفرض عليها نابليون فدية مليون فرنك للاحتفاظ بممتلكاتها وثروتها، وقد دفعت في مقابل الإفراج عن النساء أيضًا، كما رهنت بعضًا من مصاغها لتقدر على رعايتهن، ورغم ذلك حظيت باحترام كبير من الجميع؛ حيث قال عنها نابليون حين غادر مصر أعلن أنه سيظل صديقًا للأبد لها، كما كان يرسل للقنصل الفرنسي بأن يبقى في خدمتها.

● استسلام مراد وموته
مل مراد القتال ضد الفرنسيين في الصعيد، وبدأت المفاوضات بينه وبين كليبر، وتم الاتفاق على أن يحكم مراد بك الصعيد باسم الجمهورية الفرنسية، وأن يدفع الخراج الذي كان يدفعه من قبل للعثمانين، كما تعهد بتقديم المعاونة للقوات الفرنسية، وتعهد كليبر بحمايته إذا تعرض لهجوم، ولكن فاجئ الموت مراد بك بعد ذلك الاتفاق بفترة قصيرة في 22 إبريل عام 1801م؛ حيث أصيب بالطاعون، ودفن في سوهاج.

● أم المماليك
بعد خروج الحملة الفرنسية من مصر في نفس العام، نجحت نفيسة في الحصول على حماية البريطانيين الذين أتوا بحملة فريزر للمماليك وأسرهم، ثم استمرت على نفس النهج مع العثمانيين، وقامت بحمايتهم، لتُعرف منذ ذلك الوقت بأم المماليك.

● زواجها الثالث
تزوجت نفيسة إسماعيل بك آمين محتسب مصر، الذي عاونها على تقديم المساعدات للمماليك، حتى مقتله بعد زواجها بعامين خلال إحدى المعارك مع بعض المماليك البحرية، ودفن في مقابر الغفير.

● عهد أحمد خورشيد باشا
مع تولى حكم مصر الوالي العثماني أحمد خورشيد باشا عام 1804م أساء إليها، وطلب قدومها إلى القلعة ووجه إليها بعض التهم الباطلة، منها التدبير لثورة، وتوزيع منشورات ضده، وبسبب ردها عليه “إن السلطان وعظماء الدولة رجالاً ونساء يعرفونني، ويعرفون قدري، حتى الفرنسيون، أعدائي وأعدائك، لم أر منهم إلا التكريم والاحترام، أما أنت فلم يوافق فعلك فعل أهل دولتك ولا غيرهم”، غضب أحمد خورشيد باشا وأمر بسجنها في بيت السحيمي الذي حاولت الهرب منه ليلاً، لكنها لم تنجح، ليزداد معاناتها.

● عهد محمد على باشا
بعد تولى محمد علي حكم مصر عام 1805م صادر أموالها وممتلكاتها، وعاشت بقية حياتها في فقر، حتى ماتت في يوم الخميس 19 إبريل عام 1816م في بيتها الذي بناه لها علي بك الكبير، والذي استولى عليه محمد علي باشا وأسكن فيه رجال دولته، ودفنت بجوار زوجها الأول على بك الكبير في الإمام الشافعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى