
دير سانت كاترين: شاهد على القداسة والتاريخ
دير سانت كاترين: شاهد على القداسة والتاريخ
سلمى علاء الدين مندور يوسف
منذ عصر المسيحية المبكرة كانت سيناء مقراً للرهبان اثناء هروبهم من الاضطهاد الروماني، ويرجع ذلك أيضاً لقيمتها الدينية وارتباطها بالنبي موسي. في عهد الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول تم إصدار مرسوم ميلان عام 313 م الذي نص فيه على حرية الأديان وممارسة الشعائر الدينية، رغم ذلك استمرت حركة الرهبنة استمرت في مصر التي أسسها بصورتها الحالية الانبا انطونيوس (أب الرهبان) في القرن الثالث الميلادي.
إليك قصة دير سانت كاترين الذي يعتبر من أقدم الاديرة في العالم التي حافظت على نظم الحياة الرهبانية منذ تأسيسها ، وحتى هذه اللحظة.
من هي القديسة كاترين الإسكندرانية؟
قديسة مصرية ولدت في الإسكندرية في أواخر القرن الثالث الميلادي سنة 287م باسم زوروسيا لعائلة ارستقراطية وثنية فوالدها كان حاكم الإسكندرية. وصفت بالجمال والذكاء، حيث اهتم والديها بتعليمها .
رؤيا غيرت حياة كاترين
في سن الرابعة عشر جاءتها رؤيا للسيدة مريم العذراء وهي تحمل المسيح وتخبره بأن يقبل بكاترين خادمة إلا أنه اشاح بوجهه عنها. عندما استيقظت قررت الاتجاه للدير، وهناك تم تعميدها وبدأت في دراسة علم اللاهوت والفلسفة. ظهر لها يسوع ومعه السيدة العذراء من جديد في رؤيا جديدة يخبرها فيها يسوع أنها أصبحت عروس له والبسها خاتم، وعندما استيقظت وجدته في يدها فظلت ترتديه دوماً.
من هنا يبدأ الفصل الأخير من حياتها عندما اتهمت الامبراطور ماكسينتيوس بالتضحية للأوثان علناً، لكنه عفا عنها في المرة الأولى وأرسل لها أكثر من خمسين فيلسوف وثني لمحاولة اقناعها للتراجع لكنهم قد آمنوا بالمسيح فأمر بإحراقهم، وتم القبض على كاترين وتعذيبها بعجلات مسننة أطلق عليها ” عجلة كاترين”. في ذلك الوقت ظهرت كاترين في رؤيا لزوجة ماكسينتيوس. عندما استيقظت ذهبت إليها في محبسها وقد آمنت بالمسيحية هى وحارس السجن ومائتان من جنوده مما اشغل غصب الامبراطور، فأمر باعدامهم. أما كاترين أمر بقطع رأسها في 25 نوفمبر 307م.
قيل عن معجزة نقل جثمان القديسة الطائرة بعد استشهادها بعدة قرون عن رؤيا لأحد الرهبان في سيناء لمجموعة من الملائكة يحملون جثمان كاترين ليضعوها على قمة أحد الجبال الذي سمي فيما بعد باسمها. عندما استيقظ وجد الرهبان الجثمان كما كان في رؤياه، و قام الرهبان بنقل الجثمان إلى كنيسة موسي النبي.
ترجع قصة بناء دير سانت كاترين إلى عصر الإمبراطور قسطنطين العظيم حيث بنى دير العليقة المقدسة بناءً على أمر القديسة هيلانة والدة الامبراطور، لكن من قام بالبناء الفعلي هو الامبراطور البيزنطي جستنيان الأول عام 548م_565م بهدف وضع رفات القديسة كاثرين، أيضاً حماية الرهبان الذين أقاموا
هناك منذ القرن الرابع الميلادي. وضع حول الدير أسوار يصل ارتفاعها إلى 12 متر. الدير احتوي على عدة آبار مقدسة بالإضافة إلى هياكل أهمها كنيسة التجلي التي تعتبر ضمن تسع كنائس أصغر، و كنيسة الجماجم التي احتوت على رفات الرهبان الذين خدموا في الدير، بالإضافة إلى علي عشر كنائس اخرى.
خصوصية دير سانت كاترين تعود إلى احتوائها على كل ما ندر، منها شجرة العليقة حيث تلقي النبي موسى الوصايا العشر من الله، و التي لها قدسية كبيرة في كل الأديان. فشلت محاولات إعادة انباتها في أي مكان آخر بالعالم، كما امتلك الدير ثاني أكبر مكتبة في العالم بعد مكتبة الفاتيكان. احتوت المكتبة على مخطوطات نادرة تزيد عن 4500 مخطوط دونت بلغات متعددة، بالإضافة إلى نسخ نادرة من العهد الجديد والعهد القديم، كما يحتوي على نسخ من قرارات المجامع الدينية.
في الحديث عن الجانب الفني والمعماري للدير فإنه يحتوي على تصوير للسيد المسيح، ايضاً تصوير تجلي الرب لموسى، وعدد من الأيقونات التي يصل عددها إلى 2000 ايقونة. يوجد أقدم الايقونات في العالم للسيدة مريم العذراء وأسفلها شجرة العليقة “دلالة عن أن الشجرة اشتعلت دون أن تحترق، وأن السيدة العذراء أنجبت المسيح دون أن يمسها رجل”. تحتوي على مشغولات أثرية ذهبية وفضية تم اهداها من الملوك المسيحيين خاصة خلال فترة الحروب الصليبية. الدير له اثني عشر عمود وكل عمود يطلق عليه اسم شهر من شهور السنة، بالإضافة إلى مجموعة من صور قديسين كل شهر يبدأ من شهر سبتمبر” رأس السنة القبطية” وينتهي بشهر أغسطس، كما يوجد بداخل الدير مسجد يعود للعصر الفاطمي.
إشكالية النزاع على دير سانت كاترين يعود إلى مجمع خلقيدونية عام 451 م عندما تم بموجبه انقسام الكنائس إلى خلقيدونية وغير خلقيدونية. منذ ذلك الوقت أصبح الدير يتبع الكنيسة اليونانية الارثوذكسية، كما يذكر اسم بطريرك بطريركية القدس للروم الأرثوذكس في القداسات، لكنه يديره رئيس الدير وهو أسقف سيناء.
اشتعل نزاع حول ملكية أراضي دير سانت كاترين، لينتهي هذا النزاع بحكم قضائي قضت فيه باحقية تابعي الدير بالانتفاع به مع ملكية الدولة لهذا الموقع باعتباره من الأملاك العامة، كما تعهدت الحكومة المصرية بالحفاظ على المكانة الدينية المقدسة للدير الذي أدرج عام 2002م على قائمة التراث العالمي، وأكدت على حرص الدولة على احترام الرموز الدينية المتعلقة بالمسيحية الارثوذكسية، كما صرحت محافظة جنوب سيناء بالتزامها بدعم دير سانت كاترين، و جميع المعالم الدينية بالمحافظة.







