مقالات

وصل إلى سد يأجوج ومأجوج.. تعرف على رحلة سلام الترجمان

 

كتبت-كريمة عبد الوهاب

حفر ذو القرنين أساسه ثلاثين ذراعاً إلى أسفل، وبناه بالحديد والنُّحاس حتى ساقه إلى وجه الأرض، ثم رفع عضادتين يلي الجبل من جنبتي الفجّ وعرض كل عضادة خمس وعشرون ذراعاً في سُمك خمسين ذراعاً، وكلّه بناء بلبن من حديد مُذاب في نُحاس، تكون اللبنة ذراعا ونصفا في ذراع ونصف في سمك أربعة أصابع ويرجع ذكر قوم يأجوج ومأجوج إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، فهم لهم في تاريخ العالم قديمًا ومستقبلاً ارتباط لا انفكاك منه، وقد استطاع ذو القرنين بناء هذا السد أو الردم بين الجبلين الكبيرين وذلك من خلال خطة هندسية أوضحها القرآن الكريم، حيث صهر فوق ذلك الردم خليطاً متنوعاً من الحديد والنحاس، لكي يكون أشد قوة.

 

محاولات سابقة على رحلة سلام الترجمان

خلال عصر الخليفة العباسي هارون الواثق الذي حكم العالم الإسلامي ما بين عامَيْ 227-232هـ، وعندما كان نائماً في إحدى لياليه رأى في منامه أن سد يأجوج ومأجوج مفتوح، ففزع لذلك أشد الفزع، وقد أمر بتجهيز بعثة علمية استكشافية لتقصّي حقيقة الأمر،

وأخبر الخليفة الواثق قائد الجيش العباسي أشناس التركي بحقيقة رؤياه، فأخبره أن رجلاً يعمل في الإدارة العباسية في قسم الترجمة فيها اسمه سلام التُّرجمان يعرف ثلاثين لغة، ويقول سلام الترجمان عن تلك اللحظات فدعاه الواثق، وقال له أن يريده أن يخرج إلى السد حتى يعاينه و يأتيه بخبره.

وقد ضمَّ إليّه خمسين رجلا شبابا أقوياء، وأعطاه خمسة آلاف دينار، وأعطى كل رجل من الخمسين ألف درهم وقد تجهزت القافلة الاستكشافية بالركائب والزاد والطعام، وخرجوا من عاصمة العباسيين آنذاك “سامراء” باتجاه الشمال، فصاروا نحو أرمينيا وكانت جزءا من الدولة الإسلامية العباسية وهي عاصمة جورجيا اليوم، فحين وصلت بعثة سلام الترجمان كتب والي أرمينيا إسحاق بن إسماعيل رسائل إلى ملوك القوقاز وجنوب روسيا.

ويقول سلام انهم قد أقاموا عند ملك الخزر يوما وليلة حتى وجَّه معنا خمسة مرشدين، فسرنا من عنده نحو الشرق من شمال بحر قزوين ستة وعشرين يوماً، ثم انتهوا إلى أرض سوداء منتنة الرائحة، فساروا فيها عشرة أيام، ثم صاروا إلى مُدن خراب، فساروا فيها عشرين يوما، وسألوا عن حال تلك المدن فخُبِّرنا أنها المدن التي كان يأجوج ومأجوج يتطرّقونها فخربوها.

سلام الترجمان أمام السدّ

كما أشار سلام الترجمان أن بعثته قد استطاعت الوصول إلى مدينة اسمها أيكة وهي التي كان ينزلها ذو القرنين بعسكره، وهي بينها وبين السد مسيرة ثلاثة أيام لكي تصل إلى السد في اليوم الثالث، وقد وصفه بأنه عبارة عن جبل مستدير والسد الذي بناه ذو القرنين هو فج بين جبلين عرضه مائتا ذراع ، وهو الطريق الذي سوف يخرج منه يأجوج ومأجوح فيتفرقون في الأرض.

وما يلفت النظر أن سلام استطاع أن يصف هذا السد بصورة دقيقة لأنه رآه رأي العين، وعلى الرغم من تشكيكات بعض المستشرقين والمؤرخين الأوروبيين والروس من أصل هذه الرحلة وحقيقتها، ولكن البعض الآخر أكّد صحتها؛ لأنها رويت منه شفاهة، وقد رواها عنه ابن خرداذبة الجغرافي وهو يعتبر أحد الموظفين الكبار في الديوان العباسي.

ويؤكد سلام أن ذا القرنين استطاع بناء الردم مثل الباب تماما، حيث ردم أعلاه حجارة مصنوعة من الحديد والنحاس، ثم فوق ذلك حديد ونحاس مصهور حتى ولا يدخل من الباب ولا من الجبل ريح كأنه خُلق خلقه كما يصف؛ أي كأن هذا الردم الذي يُشبه الباب أصبح مثل الجبلين الواقع بينهما يحسب الرائي أنه جبل مثلهما تماما بل يؤكد سلام الترجمان أن هذا الباب أو السد الذي يبلغ ارتفاعه 120 ذراعا، أي ما يقارب 55 مترا، كان له قفل ارتفاعه 25 ذراعا، أي 11 مترا ونصف المتر، ولا يحتضنه رجلان.

وقد سأل سلام سكان تلك المنطقة التي كان مَلِكُها قد عيّن حفظةً من ثلاثة رجال معهم مطرقة كانوا يطرقون كل يوم ثلاث طرقات على هذا البناء العظيم فيتم ضرب القفل ضربة في أول النهار، فيسمع لهم أصوات عالية مثل كور الزنابير ثم يخمدون، فإذا كان عند الظهر ضربه ضربة أخرى ويُصغي بأذنه إلى الباب فتكون جلبتهم صياحهم في الثانية أشد من الأولى ثم يخمدون، فإذا كان وقت العصر قام بضربه ضربة أخرى فيضجون مثل ذلك ثم يقعدُ إلى مغيب الشمس، ثم ينصرف وكان الغرض في قرع القفل أن يسمع من وراء الباب فيعلموا أن هناك حفَظَة ويعلم هؤلاء أن أولئك لم يُحدثوا في السد حدثا.

وقد سأل سلام الترجمان قائد البعثة الاستكشافية هؤلاء الحفظة، أي رجال الأمن الذي يحفظون السدّ ويراقبون التطورات اليومية فيه، وسألهم عن أي عيوب لاحظوها في هذا السد، فقالوا ما فيه إلا هذا الشِّق وكان الشق بالعرض مثل الخيط دقيق وقد أخرجت من خُفّيه سكينا فحك موضع الشقّ فأُخرج منه مقدار نصف درهم من الحديد المتساقط منه وأشدّه في منديل لكي يريه إلى الواثق بالله.

وانتهى سلام الترجمان من معاينة جسد سد ذي القرنين، وأكمل بعثته على أتم وجه، وقرّروا العودة من وسط آسيا فيما يبدو من وصفه باتجاه العراق، لكن طريق العودة هذه المرة لم يكن مثل طريق الذهاب، فقد توجهوا نحو خراسان حتى مروا على مدينة سمرقند ثم بخارى ثم إلى ترمذ ثم نيسابور، وقد مات من الرجال الذين كانوا معنا ومَن مرِض منهم في الذهاب اثنان وعشرون رجلاً من مات منهم دُفن في ثيابه، وقد مات في المرجع أربعة عشر رجلا.

ويُقرِّر سلام أن مدة الذهاب إلى السد كانت في ستة عشر شهرا، ورجعوا إلى العراق في اثني عشر شهرا وأيام أي إن مدة البعثة الاستكشافية استمرت عامين وأربعة أشهر في الذهاب والاستكشاف والعودة، وعندما وصل سلام إلى عاصمة العباسيين المؤقتة آنذاك يقول فدخلتُ على الواثق فأخبرته بالقصّة، ثم أراه الحديد الذي حكه من الباب، فحمد الله على أن السد لم يُنقب ولم يُهدم، وأمر بصدقة يتصدّق بها، وأعطى الرجال كل رجل ألف دينار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لديك مانع اعلانات فضلآ قم بتعطيله لتستطيع استخدام موقعنا