مقالات

" دوام الحال من المحال "

كتب: سليمان عوض

” لا أخاف الموت…أخاف أن أموت قبل أن أحيا “

استوقفتني تلك الجملة الغريبة وأنا أطالع رواية للعراب “أحمد خالد توفيق” ذلك الأديب الذى أُعده شريان من شرايين اللغة العربية في العصر الحديث بكتاباته الراقية وفلسفتة الهادئة ووعيه المستنير ونظرته المستقبلية لكثير من الأحداث التي ما إن نطالعها اليوم إلا ونشعر كأنه يعيش حاضرنا.

دوام الحال من المحال
دوام الحال من المحال

ظلت تلك الجملة عالقة بذهني أيام وأيام وأصابتني الحيرة، فالجملة علي وضوحها تحمل في طياتها الكثير من المعانى، فقررت أن أخرج من عالمي لعالم العراب لعلني أصل مغزاها، وهي أيضًا فرصة وجدتها سانحةلأن أستعيد الهدوء للحياة بعد فترة شقاء طالت وامتدت من العمل والضغوط وتفاصيل مملة معقدة كخيوط العنكبوت فيها من الوهن ما يجعل الاحتفاظ بذكراها مؤلم ونسيانها مؤلم.

فأخذتني أقدامي لذلك المقهى القديم الهادىء العتيق وصاحبه البشوش الوجه البسيط الملامح والثياب وسرت بحثًا عنه فيما حولي من أماكن والغريب وبعد عناء من البحث بعينى وجدته وقد كنت واقفًا أمامه ولكن ما كنت أتوقع أن التطور قد أصابه هو أيضًا، أضواء غريبة دوارة تتقاطع لا أدري إن كان المقهى تم تجديده أم أنه يحترق من الداخل، وعلى كل حال قررت الدخول لعل الشكل فقط هو من تجدد وتطور وأجد كل شيء بالداخل كما كان.

وبالفعل دفعت الباب للدخول وما كان هناك من قبل للمقهى باب، وما إن وقع نظرى علي الداخل علمت أن ذلك الباب ما هو إلا فجوة زمنية وقعت فيها أحسست أنني في بلاد غير بلادى وأناس لم أعتد أنا أرى مثلهم من قبل لا جلستهم كما كانت ولا وجوههم ولا ملابسهم ولا حتى نبرات صوتهم .

أحسست نفسي غريبًا لا المكان مكاني ولا الزمان زماني، حتى تلك الكراسي الخشبية العتيقة برسماتها العتيقة لا أثر لها ولا صاحب الوجه البشوش أصبح بشوشًا كما كان فقد ارتدى ملابس غريبة وحول عنقه عقد يبدو أنه استعاره من زوجته وخشي أن يضيع فارتداه… والحق أنني ما فهمت مما رأيت إلا أننى هنا غريب .

ارتدت أقدامى للخلف وكأنها رفضت الدخول وأغلقت الباب وعدت وأنا لا أعرف ما الذى يحدث أتلك حقا هي الدنيا التي كنت أعرفها؟! أم السنون مرت وكل شيء تغير .

سرت وأنا أطلق لأقدامي حرية اختيار المكان الذي تذهب إليه لعلها تصل بي لمكان يقبله عقلي أو تتذكره عيناي .

سرت أبحث في وجوه الناس لعلى أجد شخصًا ممن كنت أعرفهم أو أقف عند بائع جائل هنا أو هناك يذكرنى بلذة الطعام خارج البيت، فلم أجد في سيري إلا ضوضاء تراكمت فوق رأسي كسحابة تدور بلا توقف وما بدد تلك السحابة إلا تلك الأصوات المرعبة الهمجية الصادرة من مركبات صغيرة سادت وانتشرت حولى في كل مكان أشبه بالكتكوت في صورته لا في وداعته، فما لها وداعة ولا بداخلها مساحة.

ولكن يبدو أن ما أبحث عنه هو السراب بعينه فلا الأماكن كما هي ولا الأشخاص كما هم حتى تلك الطباع التي يجزم الجمع من الفلاسفة بأنها لا تتغير قد تغيرت أين تلك الطيبة التي كانت تملأ وجوه البسطاء حتى ظننت أن البسطاء أنفسم أصبحوا غير موجودين ولكن الحق أن البسطاء قد كثروا ولكن بلا بساطة لا في الخلق ولا في الوجوه فلم يتبقَ منهم غير الاسم الذى يتخذونه .

أيقنت حينها معنى الحرث في الماء وأدركت أن دوام الحال من المحال وأن المحراث الذي كان يؤثر في الأرض ويخلصها من الحشائش الضارة ويفتح شرايين التربة كي ترتوى أصابه الصدأ من حرثه للماء .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لديك مانع اعلانات فضلآ قم بتعطيله لتستطيع استخدام موقعنا