مقالات

الجاثوم ورؤية مخلوقات غريبة وهل له علاقة بالجن؟

الجاثوم ورؤية مخلوقات غريبة وهل له علاقة بالجن؟

كتبت / بسنت الغباري

حدث معك ذلك أول مرة حينما كنت في سن المراهقة، ففي الساعات الأولى من صباح أحد الأيام، وقبل بضع ساعات فقط من موعد الذهاب إلى المدرسة، استيقظت، حاولت الاستدارة في السرير، لكن جسدك لم يقو على ذلك، لم تستطع التحرك، كنت مشلولاً بشكل كامل حتى أصابع قدمك، وعلى الرغم من أنك كنت في كامل وعي، إلا أن عضلات جسمك كانت لا تزال نائمة، أدركت لاحقاً أن ما حدث لك يسمى بشلل النوم، وهي حالة تحدث أثناء الليل إذ يستيقظ جزء من دماغك بينما يظل جسمك مشلولاً لفترة مؤقتة.

شلل النوم أو الجاثوم

هو حالة تحدث أثناء الإستيقاظ أو النوم، يكون الشخص واعياً ولكن غير قادر على التحرك أو الكلام، وخلال النوبة قد يصاب الفرد بالهلوسة مثل سماع أو رؤية أشياء غير موجودة والذي غالباً ما يؤدي إلى الخوف، فالنوبات عموماً تستمر أقل من بضع دقائق، وقد تحدث كنوبة واحدة أو متكررة، ويمكن أن يكون سبب الحالة قلة النوم، أو دورات النوم المضطربة أو التوتر النفسي، والآلية الأساسية يعتقد أنها تنطوي على خلل في نوم حركة العين السريعة، وتشمل الحالات الأخرى التي يمكن أن تظهر مشابهة لشلل النوم، نوبة الصرع الارتخائية وشلل نقص بوتاسيوم الدم الدوري.

الشبح الذي يسكن عقلك

تخيل أنك تستيقظ من النوم في منتصف الليل لترى شبحاً تتساقط قطرات الدم من بين أنيابه، فتحاول جاهداً الصراخ ولكنك لا تستطيع، وتجد نفسك عاجزاً عن تحريك طرف واحد من أطرافك، إذا مررت بهذه التجربة، فربما تكون قد تعرضت لإحدى نوبات شلل النوم (الجاثوم)، وهو شعور بالعجز عن الحركة أو التحدث عند النوم، يقترن غالباً برؤية هلاوس.

أرجعت الثقافات في مختلِف أنحاء العالم هذه الهلاوس إلى السحر الأسود أو الظواهر الخارقة للطبيعة، ومع أن العلماء قد رفضوا هذه التفسيرات، لا تزال هذه المعتقدات الثقافية سائدة.

بين الخرافة والواقع

جاء في كتاب لسان العرب لإبن منظور: الجاثوم هو الكابوس الذي يجثم على صدر النائم ليلاً، وقال عنه ابن سينا: الخانق والجاثوم والنيدلان، وهو خيال ثقيل يقع فوق صدر النائم ويمنع حركته وهو مقدمة للصرع أو السكتة، وفي المقابل يعتقد العامة أن الجاثوم شيطان يخنق النيام، أو جني يسلطه السحرة، أو ملك يرسل لأخذ أرواحهم، ولكن الحقيقة هي أن الجاثوم (شلل لا إرادي) يحدث أثناء النوم ويمنع من الكلام وتحريك جسده وأطرافه، ومن أسبابه الحقيقية استيقاظ النائم خلال فترة الأحلام التي تكون فيها عضلاته مشلولة ومخدرة بالكامل، ورغم أن الشلل ذاته أمر طبيعي كي لا ينفذ النائم الأحداث التي يراها في الحلم وكان جسده مايزال مخدراً بالكامل يخيل إليه أنه يرى أحداثاً حقيقية وشياطين تجثم على صدره بسبب عجزه عن الحركة، حيث توجد تفسيرات مختلفة حول العالم لهذه الهلاوس، التي غالبًا ما تنطوي على رؤية أشباح تتسلل إلى غرفة نومك، ففي مصر، يذهب الاعتقاد السائد إلى أن شلل النوم سببه الجن، وهو مخلوق خارق للطبيعة يروّع ضحاياه وأحياناً يقتلهم، وفي إيطاليا، يفسّر البعض ظاهرة شلل النوم بأنها اعتداء من كيان يُطلق عليه باندافيكي، وهو شبح يظهر في صورة ساحرة شريرة أو قطة عملاقة مثيرة للرعب، وفي جنوب إفريقيا، يعتقد السكان الأصليون أن هذه الحالة ترجع إلي سيجاتي ليلو السحر الأسود، الذي يؤدي إلى ظهور مخلوقات مخيفة تشبه الأقزام، أما في تركيا، فترجع الظاهرة إلى كاراباسان، وهي مخلوقات غامضة تشبه الأرواح، وفي المقابل، يقدم الدنماركيون تفسيرا أكثر واقعية، فهم يُرجعون ظاهرة شلل النوم أساساً إلى عوامل خطر فسيولوجية كالتوتر.

يمكن أن تؤثر هذه التفسيرات العلمية تأثيراً عميقاً على كيفية تعرض الأشخاص لظاهرة شلل النوم، فعند إجراء مقارنة مباشرة بين مصر والدنمارك، نجد أن المصريين يخافون هذه الظاهرة أكثر مما يخافها الدنماركيون بكثير، ففي الواقع، أكثر من 50% من المصريين الذين تعرضوا لهذه الحالة كانوا على قناعة بأن شلل النوم يؤدي إلى الموت.

كيف يحدث الجاثوم؟

يعد حالة لا يسلم منها أحد، ويمر بمعظمنا مرة أو مرتين في العام، ولأن من أسباب علاجها إدراك السبب الحقيقي وراء حدوثها وأنها ليست شيطاناً يسرق الأرواح، فمجرد وعينا بأسبابه يخفف من تكرار حدوثه وحدة الفزع التي تصاحبنا عند وقوعه، والدليل أنه يتكرر لدى الأطفال والغافلين بنسبة أكبر من البالغين الواعين للمشكلة.

ويُقسم النوم إلى مراحل تتأرجح بين طورين، يسمى الطور الأول نوم حركة العين غير السريعة ويتضمن عدم حدوث الأحلام، أما الطور الثاني فهو نوم حركة العين السريعة ويتضمن حالة الانخراط في الأحلام، ويحدث فصلٌ بين الدماغ و العضلات الإرادية بشكل عام، وذلك كي لا تتفاعل عضلات الجسم مع الأحداث التي ينخرط فيها دماغ الحالم، تخيل لو أنك كنت تحرك يديك و قدميك واقعيًا لتحاكي ما يدور في أحلامك، سيكون هناك خطر عليك من هذه الحركات اللاواعية.

وفي بعض الحالات، يستيقظ الشخص قبل نهاية هذا الطور، فيجد عضلاته مشلولة و مفصولة عن نشاطه الواعي، وخارج نطاق سيطرته، رغم أن سمعه و بصره و إدراكه لمحيطه في حالة سليمة، لذلك يكون واعياً لذاته، و لكنه لا يستطيع التحكم في جسده، حيث لوحظ من خلال الدراسات أن شلل النوم على الأغلب مرتبط بالنوم على الظهر، والوجه إلى الأعلى، وقد تزيد هذه الملاحظة قناعة البعض بوجود مخلوق يجثم على صدرهم.

الأعراض والأسباب

استطاع العلماء مؤخراً اكتشاف أحد أسرار هذا الاضطراب ووصفه بطريقة علمية، وذلك بعد اكتشاف مراحل النوم المختلفة، ومعرفة جميع التغيرات الحيوية التي تصاحب كل مرحلة منها، وتوصلوا إلى أن العارض الرئيسي هو شلل جزئي أو كامل لعضلات وعظام الجسم، ويمكن أن يصاحب الشلل النومي بالهلوسة وتكون سمعية أو بصرية أو شعورية، ويمكن أن يستمر الشلل من بضع ثوان إلى بضع دقائق قبل أن يستطيع الشخص العودة إلى نوم ال- REM واذا عاد إلى النوم فمن المرجح أن يدخل إلى وضعية الحلم أو أن يستيقظ تماماً، لا يعرف الكثير عن فسيولوجيا شلل النوم، ومع ذلك اقترح البعض أنه قد يكون مرتبطاً بكبت الخلايا العصبية الحركية في الدماغ، خاصة مع تدني مستويات الميلاتونين، والذي يحول دون تفعيل العضلات لمنع جسم الشخص الذي يحلم من تحريك عضلاته، وتشير الدراسات أيضاً إلى أن الكثير من الناس أو معظمهم تعرضوا لشلل النوم على الاقل مرة أو مرتين في حياتهم، وبعض التقارير أوردت عدة عوامل تزيد من احتمال كل من الشلل والهلوسة، وتشمل النوم ووضعية الوجه لأعلى، وانقطاع النفس النومي وعدم انتظام مواعيد النوم ونقص الأكسجين عن المخ وضغوطات متزايدة وتغييرات فجائية في البيئة المحيطة والعقاقير المنومة واستخدام عقاقير هلوسة.

التشخيص

علمياً هو حالة تتميز بشلل مؤقت للجسم بعد الاستيقاظ من النوم، وفي الغالب بعد الاستيقاظ من النوم بفترة وجيزة ويسمى [hypnopompic paralysis], ونادراً قبل وقت قصير من النوم ويسمى [hypnagogic paralysis]، ومن الناحية الفسيولوجية، هو وثيق الصلة بالشلل الذي يحدث كجزء طبيعي من وضعية النوم REM (حركة العين السريعة)، ويحدث شلل النوم عندما يستيقظ المخ من نوم ال-REM، ولكن الشلل الجسدي ما يزال قائماً، وهذا يجعل الشخص واعياً تماماً، لكنه لا يتمكن من الحركة، بالإضافة إلى أن من الممكن تكون هذه الحالة مصحوبه بالهلوسه، حيث يرى الشخص عناصر خيالية في الغرفة التي تكون شبيهه بالأحلام وغالباً يعتقد الشخص الذي يصاب بشلل النوم بأنه يحلم.

الوقاية والعلاج

لم تتم دراسة العلاج في حالة شلل النوم بتوسع في الأبحاث العلمية، ومن المستحسن طمأنة الأشخاص المصابين بالحالة أنها شائعة وليست خطيرة، والجهود الأخرى التي يمكن القيام بها تشمل النوم الصحي والعلاج السلوكي المعرفي ومضادات الاكتئاب، وفي حين لا يعتقد معظم الأطباء بوجود مخاطر حقيقية للجاثوم، هناك فرضية حديثة تربطه بظاهرة الموت المفاجئ بفعل الكوابيس أو NIGHTMARE DEATH SYNDROME، وبالنسبة لعلاج شلل النوم، فهو يعتمد أساساً على انتهاج سلوك حياة صحي كانتظام مواعيد النوم والاستيقاظ، وممارسة الرياضة، والنوم لساعات كافية أثناء الليل، والنوم على أحد الجنبين بدلاً من الاستلقاء على الظهر، إضافة إلى تجنب أسباب التوتر والسهر وعلاج القلق بالوسائل السلوكية، وأيضاً يمكن وصف الأدوية المهدئة كدواء كلونازيبام أو علاجات الاكتئاب لتخفيف التوتر، وتثبيط مرحلة نوم الحالم في حالات محددة، وعند الحاجة للتأكد من عدم الإصابة بمرض النوم القهري يقوم طبيب اضطراب النوم بفحص المصاب واختبار نومه في مختبر اضطرابات النوم أثناء الليل، ويتبعه إجراء اختبار الغفوات القصيرة أثناء النهار، وذلك لرصد كثافة مرحلة نوم الحالم في كلا الفحصين، والوصول إلى التشخيص الدقيق ومن ثم وصف العلاج الخاص بهذا المرض، ومن أهم طرق الوقاية والعلاج هو، تنظيم مواعيد النوم وممارسة نشاط رياضي، والبعد عن التوتر وحل المشكلات التي تحصل إليك.

بالإضافة إلى ذلك، عند التعرض لشلل النوم، يوجد هناك ما يمكن فعله للحظات معدودة للتخفيف من القلق والخوف وتسريع عملية الاستيقاظ، حيث يُنصح بتحريك أصابع القدم وعدم المقاومة وفتح العينين وإغماضهما بشكل مستمر، كما يبدو أنه كلما زاد خوف الناس من شلل النوم، زاد تعرُّضهم له، وزادت حدة تأثيراته، فما كان يُعتقد في السابق أنه من نسج الخيال أو اضطراب غير ضار، حوّلته المعتقدات إلى حالة من الهلاوس الكاذبة والخوف الشرطيّ.

إذاً لا يجب النظر إلى شلل النوم على أنه مرض خطير، لأنه لا يعدو في الغالب ظاهرة من ظواهر النوم المعروفة. ولا يوجد دليل على تسببه في الوفاة، نظراً لاستمرار أداء عضلة الحجاب الحاجز واستقرار وظيفة التنفس ونسبة تشبع الدم بالأكسجين، ولذا لا تحتاج معظم نوبات شلل النوم إلى علاج محدد، فمعظمها يكون نادر الحدوث، وتحتاج فقط إلى طمأنة المصاب، وشرح طبيعة الاضطراب، إلا أن تكرار حدوث النوبات يمكن أن يؤدي إلى توتر المريض أثناء النهار وقلقه قبل ساعات النوم خوفاً من التعرض لها، مما يمكن أن يسبب الأرق المزمن، وفي هذه الحالة يجب زيارة طبيب اضطرابات النوم لمناقشة العوامل المؤثرة والإهتمام بتجنب الأسباب المثيرة كالحرمان المزمن من النوم والتأكد من خلو المريض من أي اضطراب نوم سلوكي أو عضوي آخر كانقطاع التنفس أثناء النوم، وإذا دخلت في شلل النوم و حدث وأن تحررت منه لا تعد للنوم فورًا، لأنه سوف يعود و يمسك بك ليرعبك مرة ثانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لديك مانع اعلانات فضلآ قم بتعطيله لتستطيع استخدام موقعنا