مقالات

مدخل إلى الفجوة

كتب: د.باسم موسى

عزيزي القارئ، هل أنت من هؤلاء؟
الذين يعانون صعوبة تطبيق ما تعلموا أثناء الدراسة الجامعية أو غيرها على مهامهم في العمل؟
هل تعتقد أنك قد درست أو مازلت تدرس الغزير من المعلومات ولكن أكثرها لا يفيد في الحياة العملية بسبب انفصالها عن الواقع العملي بطريقة ما؟ أو أن بعض المواد الدراسية لا تفيد عمليا -وفق تصورك- وتفضيلك الشخصي ولا تستخدم في مجال العمل؟
إنها ليست مشكلتك وحدك، بل مشكلتنا جميعًا، فتعال نتناقش حول تلك الظاهرة لعلنا نكتشف بعض أسبابها وبعض طرق التغلب عليها، حتى لا نشعر بتلك الفجوة.

نظرية انتفاء “انتفاء الجدوى”

لقد درسنا فعلا الكثير من المعلومات الدراسية التي نعتبرها ضمن إطار الفكرة السابقة، وكذلك درسنا مواد كثيرة نعتبرها غير ذات جدوى. ولكن أي المواد الدراسية تنطبق عليها حقًا نظرية انتفاء الجدوى؟ إن الإجابة حتما سوف تختلف من شخص لآخر، فما أراه مفيدًا قد لا تراه أنت كذلك والعكس، وهذا معناه أن انتفاء الجدوى هي فكرة نسبية وتابعة لتفضيل شخصي يعتمد على عوامل كثيرة شخصية، مثل الرأي الشخصي في المعلم والقدرة العقلية ومدى الاهتمام بمجال المادة الدراسية توافقه مع الميول والرغبات وغيرها.

وعلى ذلك فانتفاء جدوى معلومة أو مادة دراسية ليس مطلقًا وبالتالي فإن انتفاء الجدوى
في حد ذاته ينتفي. فنظريتي خيال ذلك تقول (انتفاء الجدوى ينتفي، بانتفاء الإجماع عليه)

مدخل إلى الفجوة
مدخل إلى الفجوة

نظرة معكوسة

من النظرية السابقة عزيزي القارئ نستنبط أن لكل مادة دراسية فائدة (متشعبة) حتى وإلم نكن نرى ذلك.

فإذا أحببنا أن نكون عقالنيين منطقيين ينبغي أن نعكس موضع انطلاق نظرنا، بمعنى أن ننحي جانبًا فكرة انتفاء الجدوى عن مواد دراسية بعينها ونبدأ بدال من ذلك في البحث عن الفوائد التي تقدمها دراسة هذه المادة. ولكن دعني أفاجئك بتحذير، وهو ألا نحاول البحث عن ما قد تفيدنا فيه المادة الدراسية نحن كأشخاص بل فيما قد تفيدنا فيه كأصحاب التخصص بشكل عام أو المجتمع بشكل أعم.

ولتتخيل معي مثال طالب كليات الطب البيطري وهم يدرسون مواد غير طبية تتعلق بتحسين السلالات الحيوانية، ثم تجد أغلبهم ينتقد وضع هذه المواد ضمن الإطار الدراسي، ثم يتخرجون ويعمل بعضهم في معاهد أبحاث السلالات على مشروع توليد سلالة مقاومة لبعض الأمراض المستوطنة في بيئتنا، إنه مجال إنتاج عاِلم جديد يبني فائدة جليلة، حينها سيسعد هذا العاِلم الجديد بالمواد التي درسها وسيكون ممتنًا لمن وضعها بالإطار الدراسي ولمن درسها له. ثم نمتن نحن لهذا العاِلم لما قدمه من سلالة قوية توفر الجهد والمال وتدر الربح وتكون نظيفة من بقايا متراكمة الأدوية قد تضر بصحتنا وصحة ذوينا. وقس على ذلك المثال مئات الأمثلة في كل مجال آخر.

لست أنا العاِلم

قد تقول لي عزيزي القارئ أنا لا أعد نفسي لكي أكون عالما في مجالي، بل يكفيني ما يجعلني أبدأ وأرتقي في سلمي الوظيفي والمالي، وأرد عليك بألا تحجم عنوة من قدراتك وألا تجعل مسارك في الحياة نحو باطن الأرض بدال من عنان السماء، لا تنتف ريش طموحك
وتبقى في محلك قانعًا، فما زال نهر الحياة يجري ومازلت لا محالة نادم بعد سنّيات قليلة على رضاك بالقناة المذمومة، وعلى كل فإن لك الحق في السكن في المنطقة العملية التي تريد ولكن ،.. دعني ألقي عليك بدوري سؤال، لماذا ندفع أبناءنا نحو القراءة في مجالات متعددة، لماذا نقول دومًا اعرف شيئًا عن كل شيء؟ أليس الأحرى بنا أن نطبق أولا على أنفسنا؟! أليس ذلك واجب التطبيق في مجال دراستنا من باب أولى؟ أليس من المنطقي أن نعرف شيئًا عن كل شيء يتعلق بمجال دراستنا؟!

كسر الدائرة

سأترك لك الإجابة، ولكن أدعوك أن تكون منصفًا حياديًا وأنت تجيب، ولا تنسى أن أخصائي الأشعة الطبية قد يوجهك إلى أخصائي المخ والأعصاب، وأن أخصائي الباطنة قد يوجهك إلى أخصائي الرمد، وهكذا، فلو لم تكن لكل منهما معرفة عامة بتخصصات الآخرين ووّجهك لدخلت إلى عيادات التخصصات جميعًا بحثًا عن علاج صداعك مجهول المصدر، أو المغص الذي يحرمك من النوم الهانئ، ولما كسرت دائرة البحث عن علاج واختصرت الطريق متوجهًا
إلى من بدائرة تخصصه حل مشكلتك دون إهدار الجهد والمال والوقت مطعونًا بالمعاناة ونمو اليأس.

غذاء عقلي

عزيزي القارئ، لقد أثبت العلم أن العقل هو العضو الوحيد الذي كلما استعملته زادت قوته باطراد، فكلما غذيته بالمعلومات اتسعت قدراته ونطاق مداركه، وكلما فكرت زادت حدة بصيرته الثاقبة وحكمته في قهر المشكلات. ولا شك أن كل مادة دراسية تقتبس من العلم الذي تقدمه لنا تنظيمًا مختلفًا وتتابعًا فريدًا للمعلومات والمشكلات المنطقية وطرق الوصول للحلول، وبالتالي فإن تنوع طرق التفكير والتعامل مع الإشكاليات يعطيك خبرة لا بأس بها في التعامل عمومًا مع مطبات الحياة، والتعامل بالسياسات المجتمعية العامة واختصار الطرق مثلا شاهدين على ذلك.

الفجوة

بعد أن ألقيت لك الأضواء العامة على أهمية كل ما ندرس، تعال نتعمق قليلا في فلسفة ما نعتقد فائدته العملية بعد التخرج. إننا ندرس هذه المواد ونتمتع ونحفظ ونتقن ونتفوق، ثم بعد التخرج قد نفشل مهنيًا، أو على الأقل نتقدم ببطء غير مبرر، فلماذا؟
إن الإجابة باختصار هي أن هناك فرق بين العلم وتطبيق العلم. إن العلم قد أعطانا أساسيات التعامل المنطقي مع أشهر المواقف التطبيقية المنطقية، أما عندما ينحرف المسار
قليلا أو تتداخل مشكلاته أو يتعثر في معضلة لم تكن في الكتاب، فإن هذه طارئة لن يتعامل معها إلا مخزون الخبرة ، والخبرة لن تنشأ وتنمو وتتطور إلا من خلال الممارسة، و دعني أمثل لك الدور العاشر الذي يحتاج التسعة السابقة له لكي يقام، وتحتاج جميعها لأساس
لكي يثبت قيامها وتتمكن من مواجهة التحديات من اهتزازات ورياح وضغط وتغير الحرارة إلخ، إن الأمر مشابه من بعض الوجوه.

هيا نقترب

والآن هيا عزيزي القارئ نقترب معًا من عمق الفجوة كي نستطيع التعامل معه بإيجابية فنقلل من حجمها أو من مقدار تأثيرها السلبي علينا، وكتوجيهات مبدئية لتقليل حجمها اقترح الآتي:

1- حرص مصممي المناهج على اختيار منهج علمي متدرج مرن التفاصيل، حيث يتم الإسهاب في شرح وتبيين المبادئ العلمية والمعتقدات (الروتينات) والمشكلات الشائعة، وصعود سلمها بسرعة منطقية محسوبة.
2- التطبيق العملي المتلازم مع الدرس النظري، فلا يعقل أن يكون الجزء العملي منهجًا منفصل، ويكون الجزء النظري في معزل لا يرى فيه دارس شمس التطبيق والتقييم والتقويم والتصويب.
3- أن يكون تطبيق كل جزء عملي متتال مع الجزء النظري، حتى يربط الطالب بين الكلمة وبين تطبيقها بصورة صحيحة قبل الانتقال إلى دراسة التالي، وحتى يواجه أخطاءه أمام معلمه فيكتسب طريقة التعامل الإيجابي مع المشكلات.
4- لا يشترط في الكليات العملية أن ندرس تاريخ العلم تفصيلا، فأنا كطبيب مثال لا يهمني ولن يؤثر على كفاءتي عدم معرفة الطريقة القديمة لإجراء تلك العملية الجراحية ولن يضير مريضي عدم معرفتي بالطرق البائدة لإجراء تحليل ما، فما يهم هو الطريقة الأكثر كفاءة في الحصول على أعلى مستوى علاجي.
5- يجب أن يكون هناك اهتمام فعلي في كل الكليات بسنوات الامتياز والعملي الميداني (أو أيا كان مسماها) بعد إنهاء السنوات ذات الدراسة الأكادميية، فذلك هو الميدان الدراسي الفعلي المؤهل لتطبيق المعلومات في مواضعها المستهدفة خارج نطاق الحيز الدراسي.
6- كما تلزم الشركات أنفسها ببرنامج صيانة للمنتج، نحتاج إلى صيانة لأعظم منتج، العلم المدروس القابل للتطبيق، لذلك أقترح أن يظل المتخرج على صلة بكليته مدة ثلاثية أو خماسية السنوات لعرض المشكلات العملية وتلقي الإرشادات والحلول، وكذلك لتلقي تدريب عملي قصير كل نصف عام أو عام، تعرض فيه مستجدات العلم والمشكلات التي واجهت
غالبية الزملاء وعقد ورش عمل لحلها، وفوائد ذلك كبيرة ومتعددة وتفصيلها يحتاج إلى مقال خاص.

دعائم الاقتراب

بهذه الاقتراحات قارئي العزيز نكون قد عرضنا نواة لسد الفجوة، قد يدعمها أدوات أخرى
مثل:

– البحث على الإنترنت.
– قنوات اليوتيوب والتلجرام.
– تطبيقات التدريب على الحاسب والهاتف.
– تطبيقات الاستشارات المهنية المتخصصة.
– مجموعات التخصصات المختلفة على مواقع التواصل االجتماعي.
– الكتب المهنية التخصصية الحديثة.
– الدورات التدريبية وورش العمل في الشركات ومراكز التدريب الموثوقة والمعاهد والجامعات.
– الندوات والمؤتمرات.
– الدوريات والمجلات العلمية والملخصات البحثية.
– التواصل الفعال مع الزملاء وبخاصة المتميزين.
وغيرها من الأدوات المعززة لهذا الهدف.
إّن صب الإنتباه بإخلاص عزيزي القارئ يدعم بالا شك سد الفجوة ولكنه يحتاج إلى عزم ومواصلة وتنويع في استخدام الأدوات وتقييم فائدة كل أداة وفاعليتها للعموم والخصوص.

بداية الطريق

ولكننا بلاشك لكي نسرع الخطى ونختصر على الأقل نصف الطريق لابد لنا أن نبدأ بالبداية المنطقية، ألا وهي الهيئة الدراسية سواًء كانت مدرسة أو معهد أو أكاديمية أو جامعة، ولاشك أكثر حين نقول أن المعلم الكفء هو أول طريق الوصول للهدف، وهذه جملة تحتاج إلى كتب، فما أكثر ما ينبع منها من أفكار. فكلمة كفء هي بحر إحدى ُسُفِنه سفينة النظر الثاقب لما يفيد الطالب عمليًا، وكلمة الهدف هي عنوان كتاب أحد فصوله تحديد تفاصيل الهدف المفيد عمليًا.

نصيحة لا تنفصل

هي لك عزيزي القارئ إن كنت طالبًا، وأيضًا إن كنت متخرجًا تسير على طريق التميز، ومغزاها أن تتعامل مع معلوماتك الدراسية كمعلومة نظرية و معلومة عملية في ذات الوقت.

فما أجمل أن تخصص دفترًا تناقش فيه مع نفسك وزملائك النقاط العملية، فيصير لك بعد التخرج ما يشبه مرجعا عمليًا قابل للنمو مع كل تطبيق أو مناقشة أو استخدام الأدوات المذكورة بعاليه.

مدخل إلى الفجوة
مدخل إلى الفجوة

خاتمة

عزيزي القارئ، أذكر نفسي وأنت تسمع بانتفاء انتفاء الجدوى، وأهمية التعامل مع المواد التي لا نحبها بنفس الطريقة التي نتبعها مع تلك المحبوبة، وأن نحاول التدرب على الاستفادة العملية من كلتا الفئتين، فبما أننا لا نعرف المستقبل فمنطقي ألّا نتأكد ما سنحتاج من العلوم التي ندرسها في كل يوم من حياتنا العملية، كما أ أذِّكُرنا سويا بأن ندرس بروح التطبيق باستخدام الأدوات المناسبة، ونحن إن كنا قد فقدنا عنوة في أحد مجال دراستنا المعلم ذو الرؤية الصائبة فما زال لدينا علمه لنعيد صياغته بأنفسنا بطريقة تطبيقية من
خلال مهام العمل، وما زالت لدينا فرصة التتلمذ على يد غيره في منصات غير جامعية أو كتب أو منصات إلكترونية.

ما بعد الخاتمة

أنتظر من نفسي ومنك عزيزي أن نبدأ في هذه اللحظة خطواتنا على طريق التطبيق
الإيجابي للعلم، ولنتسابق و ليتفوق كل منا على نفسه قبل الآخرين. والآن مضطر أنا للانصراف فقد وضعت بحماس قدمي الأولى على موضع الخطوة الأولى فالحق بي و لا تتوانى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لديك مانع اعلانات فضلآ قم بتعطيله لتستطيع استخدام موقعنا