الأسرى في مصر القديمة

43

كتبت/ أميرة الشامي

ظهر بالعديد من المناظر والنصوص المرتبطة بالنشاط العسكري في مصر القديمة بعض من أساليب القسوة والعنف التي مارسها المصريون مع أعدائهم ، سواء كانوا من الأسرى الأحياء أوقتلاهم ، مما دفع البعض إلى الجزم بأن المصريين القدماء كانوا يتسمون فى معاركهم بقدر من الوحشية والدموية .

ودافع الأمر أنه لا يجب التعامل مع هذه المصادر النصية والأثريه بصورة سطحية أوبترجمه حرفيه ، فالأمر عندهم ماكان يعدو أن يكون إلا تصويرا رمزيا يرتبط فى المقام الأول ببعض المراسم الخاصة بإحتفالات النصر ، آو كواحدة من الطقوس من الدينية المتعلقة بالمعبودات التي كانت ترعى حملاتهم العسكرية .

ومن ناحية أخرى كان يتم إستغلال هذه النصوص التى بالغت فى وصف تعذيب الأعداء والتنكيل بهم لتقوم بدور نصوص اللعنات والتدمير، حتى تظهر في صورة نصوص تحذيرية لكل من تسول له نفسه أن يتعدى على حدود الدولة أوحتى ينتهك حرمان المعابد الإلهيه .

أي أنها كانت تستخدم الإستعارة والمبالغة لترهيب الأعداء . ولعل الإجراء الوحيد الذي كان يتسم بالواقعية وفى الوقت ذاته بالوحشية فى التعامل مع قتلى الأعداء، إنما هو قطع يد قتلى الأعداء ، وحتى هذه الحالة إنما كانت تستهدف إلى آغراضا مادية ومعنوية تمثلت فى بعض الأسباب الإحصائية والإستخبارية ،فضلا عن دوافع رمزية تستهدف إلى القضاء على الفوضى من خلال قطع يد الأعداء .

منذ النشأة الأولى لمفهوم الدولة المركزية ذات السيادة على كافة تخومها بداية من عصر الأسرة الأولى ، جاهد ملوك مصر القديمة بطرق شتى فى الحفاظ على هذا المكتسب السياسي من أية تهديدات أو قلاقل من شأنها أن تجهض هذا الإنجاز الذي طالما سعى له بعض حكام فترة ماقبيل الأسرات سعيا حثيثا ، فكان مردوده بلا ريب داعما ومساهما في إتمام الوحدة وتكوين الدولة .

وتمثلت هذه الجهود فى إرسال فرق عسكرية بشكل متكرر إلى الجهات التى كانت تشكل خطورة لظبط الأمن فيها والقضاء على أية محاولات للتسلل والإستيلاء على أراضي الدولة .

وبعيدا عن وصف هوية هذه الإرساليات العسكرية سواء كانت فرق مجندة بصورة مؤقتة أو جيوش نظامية وفقا للعامل الزمنى لما قبل الدولة الحديثة أو خلالها أو ما بعدها، فقد حققت هذه الحملات العديد من البطولات والإنتصارات التى جاءت متبوعة بكم هائل من الغنائم والأسرى إلى غير ذلك من أعداد القتلى والجرحى في صفوف العدو ،

وفي خضم أحداث تاريخ مصر القديمة الزاخر بالعديد من المعارك العسكرية نلحظ أن ثمة تباين واضح في مضامين النصوص والنقوش التي تنقل أخبار تلك العمليات العسكرية ومجرياتها وبخاصة فيما يتعلق بكيفية التعامل مع القتلى والأسرى من الأعداء ، فقد ظهر في كثير من النقوش منذ بداية الأسرات مايصور ألوان من التنكيل والقسوة فى التعامل مع قتلى الأعداء ،

حين أن جاء البعض الآخر لينقل صورة مغايرة ومناقضة لذلك الأمر ، حيث أبرزت الجانب الإنساني الذي يعلي من مفاهيم الحقوق والقيم الأخلاقية في كيفية التعامل سواء مع جثث القتلى أو مع الأسرى تمهيدا لإستغلالهم ضمن طوائف العبيد .

ولعل سرعان ما يتبادر إلى ذهن القارئ فى هذا الصدد، أن هذا التناقض إنما مرجعه إلى تصنيف طبيعة النصوص وهويتها التى تتنوع مابين نصوص أدبية ونصوص رسمية (غير أدبية) وكذلك الحال نفسه بالنسبة لطبيعة المناظر والنقوش وأماكن تواجدها ، إلا أن مايزيد الأمر هيبة هو أن نجد مثل هذا التناقض داخل التصنيف النص الواحد ،

مما يفيد بأن هناك دلالات تاريخية وحضارية سعى لها فنانوا وكتبة القصر لتصوير قسوة وشراسة الدولة أحيانا، أو لحسن المعاملة الرحيمة في أحيان أخرى. ومن هنا سنذكر صور مختلفة من سياسة القسوة والتنكيل التي جاءت واضحة في كل من المناظر والنصوص لقتلى وأسرى الأعداء في محاولة لإلقاء الضوء على الصفوف والمبتغى من ذلك الأمر،

فضلا عن تقرير مدى صحته واقعيته من عدمه، خاصة وأن بعض الباحثين قد سارعوا مستغلين تلك الشواهد النصية والتصويرية للاستدلال على أن ملوك مصر القديمة وقادة الجيش كانوا يتسمون بمسحة من العنف والقسوة في معاملة أعدائهم .

ولعل من الجدير بالإنتباه هو وجوب التفريق والتمييز مابين مشاهد القتلى فى المعارك العسكرية فقتلى بعد المراسم الطقسية مثل التضحيات البشرية _ ومابها من آراء متعددة_آو حتى القتلى ممن نفذ عليهم حكم الإعدام بطرقه المختلفة جراء جرم ارتكبوه ،

وبين موضوع الدراسة والذي يستهدف التنكيل بعد القتل أوتعذيب الأسرى من الأحياء ومن ثم قتلهم والعبث بأجسادهم ، في محاولة لكشف مدى إرتباط هذه النصوص والمناظر بالحقائق التاريخية أو أن يكون لها بعد حضاري آخر.

*مشاهد ونصوص التنكيل بالأعداء:
شهدت مصر القديمة عبر عصورها المختلفة العديد من الحروب والمعارك الطاحنة التي دارت رحاها إما داخل الحدود أو خارجها ، وليست هذه الدراسة بصدد تتبع ورصد لهذه المعارك أو تحليل وتصنيف مكتسباتها من الأراضي والممتلكات آو من الغنائم ، بل تركز بصورة خاصة على كيفية التعامل مع قتلى الأعداء خلال هذه المعارك .

فقد زخرت النصوص المصاحبة لمشاهدة الإنتصارات العسكرية وكذلك بعض من السير الذاتية لقادة الجيش وضباطه بالعديد من العبارات التي حرص فيها أصحابها بالتأكيد على سيطرتهم التامة على العدو وقتل العديد منهم ، فعلى سبيل المثال وليس الحصر .

نجد من عصر الدولة القديمة مقبرتين من عصر الأسرة الخامسة، الأولى خاصة ب ” انتف” فى دشاشة والثانية خاصة ب ” كام حست” في سقارة ، وتضم هاتان المقبرتان مشاهد غاية فى الأهمية حول إحدى المدن الآسيوية الواقعة فى جنوب فلسطين وأسر عدد من الرجال ومعهم زوجاتهم وأطفالهم ، كذلك الحال في عصر الدولة الوسطى وبخاصة من مقبرة القائد ” انتف ” في طيبة ، حيث تظهر بعض المشاهد المشابهة لأعمال الحصار وأسر الأعداء .

وبعد حرب التحرير في مشارف عصر الدولة الحديثة ،
بدأت المشاهد العسكرية تزخر بمزيد من النصوص التي يتفاخر بها الملوك وقادة الجيش بمكتسباتهم العسكرية ، فنجد القائد أحمس بن أبانا في مقبرته بالكاب يفخر فى نص سيرته الذاتيه بإنتصاراته على النوبيين خلال حملاته التوسعيه فى الجنوب بالقول:

” إنه قد قتل من بينهم الكثيرين كما تعددن المشاهد التى ظهر بها الملوك بعد عودتهم من المعارك العسكرية وفى حضرة المعبود آمون يقدمون له القتلى والأسرى والغنائم تعبيرا عن النصر وفضل المعبود فى تحقيق ذلك ،

مثل تحتمس الثاني وأمنحتب الثاني وغيرهم الكثيرون ويبدو أن أمر القتلى سواء أكان فعليا أم مجازيا إنما بات دوما بعنية التعبير عن السيطرة والإنتصار ، فهو أمر يرتبط فى المقام الأول ببعض الأدبيات والقواعد التقليدية المنظمة لمشاهد ونصوص الإنتصارات فى مصر القديمة ، والتى يجب أن تصور العدو فى مكانة مادية ومعنوية أدنى من المصريين وبخاصة الملك .

وهنا تجدر الإشارة أن أعداد القتلى وكيفية تصويرهم أو الإشارة لذلك نصا ليست من بين مصادر الدراسة فهو أمر حتمى وطبيعى في أية مواجهات عسكرية ، وإنما يكون التركيز على مشاهد ونصوص التمثيل والتنكيل بجثث القتلى من الأعداء والتى كان لها شواهد عديدة منذ بداية الأسرات.

 

*مشهد القتلى على لوحة الملك نعرمر :

ظهر على أحد وجهي لوحة الملك نعرمر التي عثر عليها في أطلال معبد صغير بهيراكونبوليس مجموعة من القتلى يبلغ عددهم عشرة رجال ، صورهم الفنان وقد قيدت أذرعتهم خلف ظهورهم بين أقدامهم. وبغض النظر عن هوية هؤلاء الأعداء الذين تباينت الآراء فى وصفها مابين سكان مصر السفلى خلال عملية التوحيد آو من الأعداء الخارجيين فقد سلف الذكر إلى أن المصري القديم كان ينظر دوما لكل من يشق النظام والإستقرار المسجد نظرة السواء ،

 

دون ما تمييز بين المحلي أو الأجنبي بيد أن أول ما يلفت النظر فى أسلوب وكيفية تصوير هؤلاء القتلى أنهم قد نظموا فى صفين متوازيين بصورة مرتبة متعمدة، مما يفيد بأن هؤلاء الرجال لم يتم قتلهم في خضم المعركة والتى من المعتاد أن تظهر قدرا من عشوائية التوزيع ، ويقدم Sliwa تبريرا لهذا التنظيم من شأنه أن يفسر هذا المشهد بأنه ليس سوى رمز لإستعراض وحصر الأسرى وقتلى الأعداء بعد إنتهاء المعركة ، حيث ظهر فيه الملك متبوعا بمجموعة من رجاله وأتباعه يتفقدوا صفوف هؤلاء القتلى .

 

إلا أنه من ناحية أخرى ، فيبدو من وضعية الأذرع المربوطة خلف ظهورهم أن هؤلاء الرجال قد تعرضوا للأسر أولا ، ومن ثم تم قتلهم بقطع رؤوسهم لغرض ماقد يفسره وجود بعض العلامات والرموز أعلى مشهد القتلى .

 

وفى تفسير آخر ، فربما يكون تصوير هؤلاء القتلى تعبيرا رمزيا لأعداد القتلى من أهل الشمال والذي نجح الملك نعرمر أن يحقق النصر عليهم ، فقام بأسر أعداد كبيرة منهم ثم قام بإعدامهم على هذا النحو بقطع رؤوسهم كشكل من فرض الهيمنة والسيطرة وبث الرهبة فى نفوس الأعداء . وبهذا تعد لوحة نعرمر هي أول وأقدم الشواهد الأثرية التى صورت مناظر مقطوعة الرأس أيا كانت دلالاتها .

وهناك فريق آخر يعزي هذا المشهد برمته إلى التفسير الديني الذي يرتبط ببعض الممارسات الطقسية، الدينية منها أو الجنائزية والمرتبطة بممارسة تقديم الأضحيات البشرية أو قطع الرؤوس الترهيب ، وذلك كنوع من أنواع سحر اللعنات الذي ظهر لاحقا وإستمر فى نقوش المقابر لحمايتها من اللصوص .

وجدير بالذكر أن عادة العقاب بقطع الرأس فى مصر القديمة إنما كانت من أنواع العقاب الشديد والقاسي وما كان يطبق إلا على من يستحقونه وكان في مقدمتهم أعداء الملك من الأجانب والثوار ، لذا فقد كان له أثرا قويا وانعكاسا على المعتقدات الدينية.

إقرأ أيضا:-

” الحضارة اليونانية”

《مقبرة حسي رع》

“دماء علي أرض الحرم”

 

قد يعجبك ايضآ
%d مدونون معجبون بهذه: