نون النسوة”

109

أمل منشاوي

_حازم: أنت تلعب معي دائما لعبة عض الأصابع!

كنت أحملق في ملامحه الجادة دائما مذ عرفته، كانت نظرتي منكسرة وحزينة، تعبث أناملي بالحلقة المعدنية المثبتة بطرف الشريط المتدلي من فتحة عنق فستاني الأزرق، لم يلتفت إليَّ، ظل يتأمل الأوراق التي بيديه، سأل بطريقة روتينية:

_ وما هي لعبة عض الأصابع تلك؟

صمتُّ هنيهة متمنية أن ينتبه إليَّ، قلت بعد يأس:

_عندما كنا صغارًا، إذا تشاجرنا يعض كل واحد منا يد الآخر، والأكثر ألما هو من يستسلم.

_ومن كان يستسلم؟

_لم أكن انا بالطبع.

قلت باعتزاز، نظر إليَّ وابتسم ثم عاد يحملق في أوراقه، أكملت بخجل:

_ كانت أسناني قوية، لم يحتمل أحد عضتي.

_ والآن؟!

_الآن؛ أنت تغلبني يا حازم.

قلت باستسلام، زفرت هواء يائسًا من جوفي ونظرت نحو قرص الشمس الغارب خلف الأشجار، هجرتْ عيناه الأوراق وسكنت بين ملامحي، قال يريد أن يتأكد من شيء:

_لماذا أغلبك! هل ضعفت أسنانك؟

_لا، بل قلبي.

قلتها وأنا أنظر في عينيه أبحث فيهما عن صورتي، ترك الأوراق وطوقني بذراعه الفتيِّ، توسدتْ رأسي صدره وأغمضتُ عيني، كنت كمهاجر في صحراء وجد شجرة فاستراح في ظلها، طبع قبلة أبوية على جبيني، قال وهو يراقب انسحاب الشمس إلى مغيب مجهول:

_أتعلمين.. هذه الشمس تستمد وهجها من وجنتيك!

ابتسمت، ازداد توهج وجنتيَّ، طوقت خصره بذراعيّ ودفنت رأسي في صدره، ضَمني بشدة، تداخلت ضلوعنا وامتزجت، كنا حينها كيانًا واحدًا، يشهد البساط الأخضر الذي افترشناه طوال سنوات مضت على حبنا.

لماذا يعاند كل منا الآخر يا حازم؟، مضت سنواتنا الأخيرة بين هجر ونسيان ثم اشتياق وعودة، كنت دائما أرفع الراية البيضاء، ثم تهجر وأعودة، تهجر وأعودة، ثم هجرت، ولكن بلا عودة، لم تعد تصل إلي منك رسائل مذيلة باسمك، هل فقدت عنوان بريدي؟، أم أنك فقدت الأوراق؟،

أنا فقدت كل شيء يا حازم إلا عينيك!…

طرقات خفيفة على باب الحجرة أعادتني للواقع، دخل موظف يحمل أوراقًا تحتاج إلى توقيع يتبعه عم سالم عامل البوفيه يحمل قهوتي الصباحية، ترتعش يدا عم سالم دائمًا فتندلق القهوة قبل أن يستقر الفنجان على المكتب، لم أشربها أبدًا “بوش” منذ أن صرت رئيسة للقسم، اليوم، اندلق الفنجان كاملا، انساب على سطح المكتب، سقطت قطرات منه على ثوبي؛ تماما مثل ذلك اليوم، لكنني الآن لم أعد أهتم؛ فثيابي بلون القهوة المهرقة، قبل أن أغضب قال عم سالم بصوته الحنون والمرتبك من الخوف و الخجل: _”دلق القهوة خير، سأصنع لك فنجانا آخر” لم أتكلم، أخذت منديلا ونظفت ثوبي، راقبت عيناي يد عم سالم المرتعشة وهو يمسح زجاج المكتب بفوطته الصفراء، ترتعش يداه؛ كارتعاشة قلبي لحظة أن أطاحت يدك بالفنجان عندما احتدم النقاش بيننا.

_سأقبل يا حازم.

قلتها بحزم ثم غادرت المكان، لم أكن أنا المذنبة يا حازم

_ هذه فرصتي ولن أتركها.

_ليس حقك ياهند.

_لماذا اختاروني إذًا؟

_هذا ما يحيرني.

_لست مقتنعا بقدرتي!

_ترتيبك الثاني على الدفعة، لماذا تجاوزوا الأول وعينوك أنت معيدة؟

_لنا حقوق مثلكم، لم ندرس كي نُحبس بين جدران البيوت نهدهد الصغار!

 

أعمل كثيرا، محاضرات هنا وهناك، أحضر ندوات ولقاءات ثم أعود إلى البيت، أخلع منصبي وشهادات التقدير، وأرتدي ثوب امرأة فاتها قطار الزواج، أجلس مع أمي أمام التلفاز، تقلب قنواته وأقلب الأفكار في رأسي، قالت فجأة: غدا خطبة “نيرة” ابنة أختك، صفعني الخبر، نظرت إلى الرزنامة المعلقة على الحائط… عشرون عاما مضت، كانت في الخامسة عندما أسقطت كأس الشربات ولطخت فستاني يوم خطبتنا، هل تذكر يا حازم؟ كانت تحبك مثلي، وتغار عليك مني، كنت تحملها وتقبلها أمامي وأنا أشتعل غيظا، وأنت تضحك وتضحك وتضحك، تقول وصورتي ترقص في عينيك مختالة: “أحب جنونك”.

ابتسمت بأسى، انعكست صورتي على سطح الصينية اللامع القابعة أمامي تحمل فناجين القهوة، مررت يدي على الشعرات البيض اللاتي برزن فجأة

_ كيف لم أنتبه!

قلت في نفسي بارتباك، هاتفت مصففة الشعر:

_أريد موعدا اليوم… لا لا ليس الآن… نعم في المساء.

وضعت الهاتف، تقلب أمي بين القنوات بلا هدف؛ كأنما تُبدِّد حزنا ثقل عليها حمله، دق هاتفي، كانت “نهاد” تلميذتي النجيبة، أسجلها على الهاتف ” عِناد”، تحارب من أجل حلمها، يتهدج صوتها من البكاء، هالني ما بها.

_لماذا تبكين؟

_ يخيرني بينه وبين العمل؟

_وماذا اخترت؟

قلت بلهجة جادة محرضة.

_لا أعلم… انا حائرة.

قلت بخبث:

_لماذا يضع نفسه في مقارنة دائما مع كل أحلامك، هل أنت واثقة من حبه؟

لم تجب، استرقتُ نظرة على وجه أمي الغاضب، ارتبكتُ قليلا لكن لم أتراجع، أنهيت المكالمة وأغلقت الهاتف، أغلقت أمي كذلك التلفاز واختفت في حجرتها وهي تحوقل بأسى،

بقيت وحيدة مع أفكاري، أناجيك من جديد، أعاتبك بأسف” لماذا لم تمنعني يا حازم؟! ”

إقرأ أيضاً:

نحن نعاني

سجين

إنسان يحاول

قد يعجبك ايضآ