حكاية تنظيم اليد السوداء المصري

125

بقلم : عبدالعزيز مصطفى محمد

 

لعلك أن راجعت التاريخ باحثاً مثلي عن اسم تنظيم اليد السوداء يصادفك دوماً تنظيم صربي كان السبب في اندلاع الحرب العالمية الأولى تلك الحرب التي ظنت وقتها البشرية أنها عبرت حافة الهاوية بل و شارفت علي نهاية البشرية كلها لكن بعيداً عن كل تلك الدراما المؤلمة اخذكم معي في رحلة إلي مصر بالعقد الثاني من القرن العشرين حيث معسكرات الانجليز تتوسط قلب القاهرة الخديوية و في أخر خمس سنوات فقط تبدل علي حكم مصر ثلاث حكام من أسرة محمد علي هم عباس الثاني ابن الخديوي توفيق ذلك الوطني الذي عزلة الانجليز بعدما ابدي عدم رغبه في الدخول في فوضي الحرب العالمية و إنهاك بلاده التي كانت مازالت تدفع بالدم و العرق من قوتها كل يوم لصالح الجزائن الانجليزيه الجشعة منذ اليوم الأول الذي هزم فية قائد الجيش المصري الشاب أحمد عرابي في معركة التل الكبير ثم تلا في حكم مصر عمه عباس السلطان حسين كامل الذي غيبه الموت بعد سنوات قليلة جداً ثم اعتلا العرش فؤاد الأول أصغر أبناء الخديوي إسماعيل و أكثر حكام مصر عدل رغم كره المصريين له و في خضم كل ذلك و بعد طلب رحيل الإنجليز عن مصر بشكل متكرر و رفض إنجلترا أيضاً نشأت جماعة أو تنظيم سري مصري بإسم اليد السوداء و قد كان يحارب الإنگليز ويرسل خطابات تهديد متكررة للسياسيين المصريين و الخونة المتعاونين مع جيش الاحتلال في مصر و قد ضمت الجماعة عدداً من الطلبة، كان هدفها الأول إثارة الرأى العام ضد المتعاونين مع الإنجليز وإتلاف المنشآت التابعة لهم بحيث تكلف الحكومة نفقات كبيرة و قد تم جمع الأموال لأعمال الجماعة كا مقر التنظيم السري في شارع عبدالدايم بميدان عابدين ومنه قد خرجت جميع المنشورات السرية ضد قوات الاحتلال الإنجليزي في مصر.

حكاية تنظيم اليد السوداء المصري
                         حكاية تنظيم اليد السوداء المصري

 

وعلى عكس ما قد آتي في فيلم كيرة و الجن كان الوضع أكثر تعقيداً منما قد تظن فقد كانت أهم عمليات الجماعة، اغتيال رئيس الوزراء، محمد سعيد باشا تلك العملية التي أوقفها عبدالقادر الجن كي لا يقتل أطفال الباشا ، و تعتبر خاتمة عملياتهم المعلنة اغتيال السردار لي ستاك أثناء انتقاله في سيارته في القاهرة في 19 نوفمبر 1924 و لكن ما بين الحادثتين هناك حكاية يلزمني التاريخ أن احكيها ..

بدايات تنظيم اليد السوداء المصري ..

 

صحيح أنه قد أختلف بعض المؤرخون في تحديد سنة تأسيس تنظيم “اليد السوداء“، والتي نشطت شرارته في خضم فترة ثورة العام 1919، و لا يوجد وثائق تاريخية تثبت سنة تأسيس الجمعية، وذلك لأنها كانت تعمل في الخفاء حتي و علي الرغم من أن بعض أعضاءها صار بعضهم رؤساء وزراء مصر مثل الشاب الذكي أحمد ماهر ذلك الذي تمت الإشارة إليه في الفيلم تقريباً الشاب الثري الذي أدى دوره الفنان أحمد مالك و علي عكس الفيلم قد كان أحمد ماهر ، ماهراً فعلاً لكن في صناعة قنابل الجلسرين القاتلة و التي استخدمها في محاولة إغتيال رئيس الوزراء محمد سعيد باشا.

حكاية تنظيم اليد السوداء المصري
                         حكاية تنظيم اليد السوداء المصري

 

و قد كانت تلك الجماعة تحت رئاسة المحامي المصري عبد الحليم البيلي باشا وأبو شادي بك والشيخ الأزهري مصطفي القاياتي والشيخ الأزهري محمود أبو العيون وعدد كبير من الطلبة في مدارس الطب و الحقوق و الأزهر الشريف، و قد كان التنظيم يرسل خطابات تهديد إلى بعض السياسيين «الرجعيين» أو المتعاونين مع الاحتلال كيوسف وهبة باشا الذي تولي رئاسة وزراء مصر من 19 نوفمبر 1919 حتى يوم 20 مايو 1920 و قد أرسل التنظيم خطاب تهديد مكتوب بالحبر الأحمر الفاقع وعليه علامة اليد السوداء ومدفع وكلمة الفدائيين و قد اخذها الباشا علي محمل الجد و بحسب دراسة أجريت علي “عباس محمود العقاد “ونشاطه السياسى فى مصر: 1919- 1930” فقد اكتشف من أعدها و هو الطالب العراقي حسين خفاجى وخيرالله حسين عبيس الحجامى تلك الدراسة المنشورة فى مجلة العلوم الإنسانية، التابعة لكلية التربية للعلوم الإنسانية بجامعة بابل العراقية، فإن جماعة أو تنظيم اليد السوداء، كانت من أبرز الجميعات السرىة التابعة للجهاز السرى لحزب الوفد قبل تاسيسة و انه قد تأسست بالعام 1919 بعد نفي سعد باشا و رفاقة ، وكان العقاد قد انضم إليها فى العام نفسه وأصبح من خلالها يحرر ويصيغ منشورات مناهضة للاحتلال الانجليزي ، ولم يكتف بذلك فقط بل قام بتوزيع بعض المنشورات الثورية بنفسه بين المحتجين والتى عملت على إثارة و بلبلة الرأى العام، وكانت لقاءاته السرية تتم مع أبرز رجال الجهاز السرى لحزب الوفد، وهم محمود فهمى النقراشى وأحمد ماهر، الذى تولى رئاسة الجهاز السرى فى عام 1920 و كانوا حينها من شباب الثورة المصرية الخالصة..

حكاية تنظيم اليد السوداء المصري
                           حكاية تنظيم اليد السوداء المصري

مقاومة الاحتلال بالاغتيالات ..

 

وعلى غرار تنظيم صربيا كان جماعة اليد السوداء لجنتان “مستعجلة” أخرى و”تنفيذية” لإدارة الجماعة ، حيث تتولى الأولى كتابة منشورات سريعة بأمر من عبد الرحمن فهمى، من أبرز المنشورات التي وجهتها الجماعة باللجنة المستعجلة منشور للسلطان أحمد فؤاد و قد حدد معسكر الثوار بالشعب والأمة، والمعسكر المضاد بالإنجليز والسراى ورجال المعية “لحاشية” الأفاقين الكاذبين ومن على شاكلتهم و لقد روى لنا الكاتب المصري صبري أبو المجد، في كتاب لهُ حول أبطال مصر في الجهاز السري لثورة 1919، أن من بين هؤلاء الأبطال هُناك طالب علوم يُدعى «سيد باشا»، درس بمدرسة المعلمين وانضم مع زملائه إلى الجماعة الثورية عقب القبض على سعد باشا زغلول، وكان سبيلُه في ذلك التصعيد عقد العديد من الصداقات مع عدد كبير من عمال السكة الحديد، ليستخدموا ورش ومصانع السكة الحديد القطرية في تصنيع قنابل بدائية تمامًا، يمكنها العمل من خلال وضع مواد كيماوية تؤدي إلى الانفجار و إيفاء الغرض المطلوب منها ..

و قد كان سيد باشا و رغم صِغر سنه، وضع أسس جماعته التي سُميت بـ اليد السوداء، حيث كانت تعمل ليل نهار على توريد القنابل والأسلحة المهربة لكثير من عمليات الجهاز السري للثورة، و قد كان تسليحهم في البداية عبارة عن مسدس ثم تطور الأمر إلى 4 مسدسات إنجليزية و4 قنابل بدائية ، ولكن ذلك لم يكُن كافيًا لمواجهة التطور الإنجليزي الهائل آنذاك فكان لا بد من استخدام الاغتيالات كحل مؤلم و سريع و فعال ضد الاحتلال ولم تقتصر مهمة “سيد باشا” و عبد القادر الجن و طالب مدرسة القصر العيني “كبيرة” على توريد الاسلحة فقط بل استطاعوا صُنع أول سلاح في الثورة، لسدّ ثغرة المقاومة أمام الانجليز، حيث شكَّل لجنة برفقة أحمد عبد الحي كبيرة، وفكروا في زيادة الأسلحة عن طريق تصنيع القنابل كيميائيًا، فأحضروا كتابًا باللغة الانگليزية من المكتبات ، وعكفوا على دراسته وترجمته جيداً، ثم أحضروا المواد اللازمة لتصنيع أول قنبلة في ثورة العام 1919

وبعد أيام قليلة وضع “سيد” تصميم شكل القنبلة المراد تصنيعها، ثم عمل على صناعة جسم القنبلة و مفرداتها، وقام بالتوجّه إلى إحدى مزارع منطقة شبرا الخيمة وقاموا بالتجريب، ونجحت التجربة وأحدثت القنبلة انفجارًا هائلاً جدآ ثم جاء دور التنظيم بعد تلك التجربة في التخطيط لعمليات الاغتيالات المراد استهدافها، والتى كانت ستُنفذ بالطبع عن طريق القنابل اليدوية المصنعة حديثاً.

حكاية تنظيم اليد السوداء المصري
                       حكاية تنظيم اليد السوداء المصري

سلاح الاغتيالات المصري ..

 

كانت أولى عمليات الاغتيال لتنظيم هي إغتيال رئيس وزراء مصر و السودان محمد سعيد باشا، وقد وقع الاختيار في التنفيذ على الطالب يوسف العبد، لتنفيذ تلك العملية، و قد رُصدت تنقلاته وتحركاته ومواعيد الشوارع التي يمر بها، وقبل التنفيذ بأربع وعشرين ساعة، تم تعديل الخطة، بتغيير منفذ الاغتيال، على أن يكون عبدالحميد، بدلاً من زميلة يوسف و عشية التنفيذ، تعلّم الفدائي عبدالحميد طريقة إلقاء القنبلة واستعد لإلقائها في الوقت المناسب الذى تمُر فيه سيارة محمد سعيد باشا أمام كلوب محمد على مخترقة شارع سليمان، ومنه إلى ميدان الإسماعيلية ثم شارع القصر العيني ثم شارع الشيخ ريحان، حيثُ مكتب سعيد باشا، ولكن و للاسف مرّت الساعات ولم تظهر السيارة أبدا، وتأجلت الخطة إلى يوم آخر، وقُبض على مُنفذ الاغتيال عبدالحميد

لم يهدأ “سيد باشا و كيرة و الجن ” آنذاك، واستمروا في تصنيع قنابل دعمًا للثورة، استمرت ضرباتهم بالثوار للإنگليز، حتى جاء اليوم الذى انكشف فيه أمر الجماعة، ووجّه مدير الأمن العام نداءً إلى مخبريه و الخونة يطالبهم بالقبض على الطالب، سيد محمد باشا، بصفته «المُدبر الرئيسي» أو كما أطلقوا عليه “رأس الأفعى” و لكن لم يُقبض حينها على “سيد”، واستطاع أعضاء التنظيم تهريبه إلى خارج مصر حيث سافر إلى إيطاليا و منها اي بعدها إلى باريس، ليلتقى هناك الزعيم سعد زغلول ثم يعود لإيطاليا مره اخري ليكتب عدة مقالات فى الصحف الإيطالية مطالباً بالاستقلال ويلتقى بموسولينى الذي كان قد تولي رئاسة الوزراء وقتها لكن لم يكن مصير كل أعضاء التنظيم ك سيد فبعضهم تعرض إلى السجن أو القتل أو كليهما وهرب البعض خارج البلاد هربًا من الملاحقة، مثل سيد باشا الذي استطاع الهرب ولكنه عاد في النهاية إلى البلاد وعاش حياة طبيعية هادئة دون أن يعرف أحد دوره في المقاومة من الأساس مثلة مثل عبدالقادر الجن الذي اعتقل في العشرينات بعد إغتيال السير لي ستاك و لكنه خرج بعفو من سعد باشا زغلول ليعيش عمر مديد وصل قرابة القرن من الزمان مع انه كان اكبر أعضاء التنظيم ولم يحالف البعض الحظ للاسف مثل صديقهم أحمد عبد الحي كيرة الذي استطاع الهرب إلى ليبيا ثم تركيا لكنه اغتيل بعد سنوات على يد عملاء إنگليز استطاعوا إستدراج البطل الشهيد كيرة إلى إحدى ضواحى مدينة إسطنبول العتيقة و اشتبكوا معه اغتالوة ثم مثلوا بجثته واخذوا تذكارات من جلودة و اسنانة وفروا عائدين إلى مصر. عاد ثلاثتهم مزهوين بأنهم قتلوه وهم يقولون «لقد ثأرنا أرواح جنودنا التي أزهقت في مصر و لقد أدينا الواجب»..أما جثمان البطل الشهيد كيرة فقد ظل وحيداً في العراء نهبا للبوم والغربان حتى كشف عنه البوليس التركي و دفن في مقابر صدقة غير معلومة الملامح أو مشار إليها في السجلات التي في حوزتنا حتى الآن أما بقية أعضاء التنظيم مثل دولت فهمي التي جسدت دورها الفنانة سوسن بدر في الثمانينات و الفنانة هند صبري في العام 2022 فلم يتغير مصيرها بين العملين فقد قتلت على يد اهلها و رميت جثتها تنهشها وحوش الجبال بعدما ظن أهلها أنها علي علاقة عاطفية ب عبدالقادر الجن و أما أحمد ماهر الشاب الذكي الواعد الثري لم يمت مثل أحداث الفيلم لكنه عاش حتى أصبح رئيس الوزراء المصري هو الوحيد الذي اغتيل داخل جدران حرم مجلس النواب على يد أعضاء حزب مصر الفتاة الذين رأوا أن الثائر القديم قد أصبح تابع للانجليز و لم يختلف مصير صديقه النقراشي عنه كثيراً فقد قتل على يد تنظيم سري هو أيضاً بعد خلاف مع جماعة أخري ظهرت بمصر في عهده و هي جماعة الإخوان المسلمين ليسدل الستار عن تنظيم اليد السوداء المصري في مشاهد دامية و درامية قاسية كانت هي صاحبة الخاتمة في أغلب الحكايات..

إقرأ أيضآ:-

بكائيه مصر فى الحرب العالمية الأولى 

 

قد يعجبك ايضآ