هذه بتلك

229

أمل منشاوي

حمل إلى التاريخ المدون على ورقة الروزنامة المعلقة على جدار غرفتي طيف ذكرى خلت منذ خمسة عشر عاما، داهمتني وخزة خفيفة في الصدر، مررت يدي على صدري وتمتمت ببضع كلمات شعرت براحة بعدها، مر اليوم حاملا بين طياته رائحة خلاف سينشب بيني وبين زوجي كما اعتدنا في مثل هذا اليوم من كل عام، نحتفل بعيد زواجنا على طريقتنا الخاصة، قطعت عليه الطريق واستأذنته في السفر لزيارة أمي المقعدة، وافق بسهولة لم أعتدها، فعمله في السلك القضائي جعله يضع قيودا على حياتنا، خاصة بعد أحداث البلاد الأخيرة بشكل يبعث فيَّ الخوف والقلق، لكنني اعتدت الانصياع لكل ما يراه منذ اليوم الأول الذي دخلت فيه راغمة قفصه المذهب؛ فهو يعرف أكثر مني كما يقول دائما.

لم أحمل سوى حقيبة يدي رغم عزمي على المبيت عدة أيام، وصلت في المساء، الشوارع مضاءة بأعمدة الإنارة وكشافات السيارات، أثر مطر غسل الشوارع قبل وصولي

_ لم تمطر عندنا!

حدثت نفسي متعجبة، كل شيء هنا يبهرني رغم بساطته، رائحة المطر أنعشت ذكرياتي الحلوة، أطلقت العنان لخطواتي تذهب بي حيث تشاء، وجدت نفسي أمام بيتنا القديم في الحارة، دائما تتوق نفسي إلى المجيء هنا، وقفت أنظر إلى الشرفة نصف المفتوحة التي يتسلل من بين فروج خشبها ضوء باهت، خيل إليَّ صورة فتاة عشرينية تجمع قطع الملابس الجافة وتضع غيرها، تشير لصديقتها المارة أسفل البيت على عجل كي تصعد، تتردد صديقتها قليلا لكنها تذعن للأمر، تستقبلها بلهفة، ترى في وجهها شيئا لم يكن موجودا من قبل، تسألها بانبهار

_ سلوى، لماذا أنت جميلة اليوم أكثر من ذي قبل؟

ترفع سلوى بنصر يدها اليمنى في وجهها وعلى شفتيها ابتسامة ظفر، إطار مذهب يزين إصبعها

_ متى حدث هذا

_ أول أمس

_ كيف لم تدعوني لحضور الحفل

_ جاء الأمر فجأة

_ من المبتلى؟

_عصام

قالتها بهيام مصطنع طعن الأخرى في مقتل، حاولتْ أن تخفي أثر الطعنة بابتسامة باهتة، جذبت سؤالا التصق بحلقها من شدة الصدمة

_ كيف؟

_ كان يحبني، قال هذا لي وهو يضع خاتم الخطبة في إصبعي.

لم تجد شيئا تقوله سوى مباركة حاقدة، أرسلت نظرة خاطفة نحو المرآة المواجهة لها فلم تر سوى وجهه مطبوعا في مقلتيها، ذهبت سلوى وتركتها تنعي حبها المفقود.

لمسة مباغتة على كتفي من سيدة مسنة مرت خلفي أخرجتني من شرودي

_عمن تبحثين يا ابنتي؟

سألت السيدة مرتابة، يرتاب الناس في الأحياء الشعبية من الغرباء الذين يبدو عليهم أثر ثراء، قلت مرتبكة

_ أبحث عن بيت الأستاذ عصام المهدي… أسأل عن زوجته سلوى.

أشارت لي جهة اليمين ومضت.

على ضوء كشاف ضخم مثبت على واجهة بقالة متواضعة رأيت ثلاثة نسوة تختبئ وجوههن تحت برقع أسود، تقدمت نحوهن بخطى مترددة

_ أفيكن سلوى؟

تقدمت نحوي التي كانت في المنتصف، حدّقت في وجهي

_منى؟

_ نعم .. هي أنا.. صديقتك منى يا سلوى

عانقتها متلهفة فبادلتني عناقا باردا أطفأ حرارة الشوق في قلبي، دعتني للصعود إلى شقتها، هو البيت ذاته لم يتغير فيه شيء منذ المرة الوحيدة التي زرتها فيه بعد زواجهما، كانت تلك هي المرة الأولى التي تطأه قدماي رغم جيرتنا منذ سنين، لم يطرأ عليه سوى مزيد من القِدَم حلّ على الجدران والأثاث، ثقل أطبق على صدري فتمنيت لو عدت ولم أكمل الصعود، لكنني تبعتها صامتة، استقبلنا أبناؤها، فتاتان وثلاثة أولاد، داعبتُ الكبرى مستجلبة عطف أمها

_ أنت جميلة مثل أمك، تشبهينها في الصغر.

ضحكت الفتاة ضحكة رقيعة شاركتها فيها الأم التي ما زالت متفاجئة بهذه الزيارة، ألجمت ضحكاتهما الكلام في فمي، برودة اللقاء سيطرت على الموقف، ابتسامات مجاملة وضحكات مصطنعة حاولت أن أجعلها حميمية ولكن قابلتها ردود لاذعة، بعد فترة صمت سألت على استحياء

_كيف حال عصام؟

_ سجنته السلطة.. ضيعه الشعر و السياسة

بهتني الرد الصريح والبارد، الخالي من أي نبرة ألم، رغم ذلك ابتسمت

“ما زال يكتب” قلت في نفسي مستعيدة ماضٍ تفلّت رغما عني، منذ أول لقاء بيننا رأيت في عينيه طيف شاعر، لكنني لم أتأكد حتى أرتني سلوى في إحدى المرات مطوية منه، فتحتها ببطء، قرأتها بقلب مرتجف، نظرت إلى وجهها المتبلّد وملامحها الباردة، سألتها:

_قصيدة حب… من كتبها؟

_ عصام…كتبها فيّ

قالتها بدلال مصطنع، أكلت الغيرة قلبي فألقيت الورقة على الطاولة، بغير اهتمام

_ جميلة

_لكنني لم أفهم منها شيء

_ وماذا أفعل لجهلك؟

_ساعديني

_ كيف؟

_اكتبي لي ردا…أنت مثله .. رأساكما فارغتان إلا من الشعر والسياسة.

وافقت رغم شعوري أنه فخ، في هدأة الليل احتضنت قلمي بأنامل متشوقة، بثثته حبي، ألمي، أملي… مزقت الورقة، كتبت غيرها، بدأتها” حبيبي عصام”، ارتجف القلم في يدي، مزقتها، تناثرت الأوراق الممزقة حولي، في الصباح أخبرتها أنني طلّقت الشعر ثلاثا، رأيت في عينيها غيظا.

أعادتني من جديد لأرض الواقع، سألتني

_ كم لديك من الأولاد

_ لم أنجب

حسد خفي تسلل إليها، ما زلت أحتفظ بجمالي، لم تفعل فيّ السنون ما فعلته فيها

حدقتُ في إطار مثبت على الجدار المقابل يحوى صورة زفافهما، على اليمين منه إطار آخر بداخله صورة رجل خمسيني، لمحت في عينيه شاعر، زفرت تنهيدة آسفة فشلت في حبسها في صدري، استنكار لاح في نظراتها الحادة والمثبتة على وجهي الآسف، ارتبكت، خفضت طرفي أحاول إخفاء ما بدا فيهما من شعور حرصت على تخبئته سنوات طويلة قد مضت، باغتتني بسؤال لم أعد له جوابا

_ لماذا عدت؟

صوّبت بعده نظرة اتهام إلى عينيّ نفذت إلى أعماق قلبي فارتعدتُ، أكملتْ

_ هو اختارني!

دوار أصابني للحظات، تراقصت الصور أمامي، أحداث مرت بذاكرتي كشريط سينمائي، صوت زوجي الغاضب يتردد في أذني

_كان جاركم قديما، ماذا تعرفين عنه.

التهبت في صدري مشاعري المهانة، حكيت له كل شيء عن ميوله ونشاطه السياسي، تابعت بعد ذلك أخبار اعتقاله، استعدت روحي وهممت بالمغادرة، قبل خروجي من الباب التفت إلى صورته الساكنة وسط الجدار، قلت بتحد: وأنا حرمتك منه.

إقرأ أيضاً:

نداء

لو كل الناس لامتني

لست أنثى عنود

 

قد يعجبك ايضآ