القتل في وضح النهار

129

 

كتبت: نور عبد المنعم الحوفي

 

جفت أحبار أقلامنا من كثرة تدوين الفواجع والمصائب ، أصبح القلم عاجزًا عن وصف ما يمر به المجتمع من أسى ، وأصبحنا نحن أيضًا في حالة من الهلع والخوف طوال الوقت ، أصبح القتل في وضح النهار ، كما لو أنه ذبح طائر ليكون عليه العشاء باقي اليوم ، أصبح القتل اليوم لا يمثل جريمة ، بل أصبح رد فعل عادي لكل من تسول له نفسه أن يعتدي على حق غيره ، في الماضي كان جريمة ولكن اليوم أصبح رد فعل عنيف وقوي تقشعر له الأبدان وتبكي القلوب منه دمًا وليس دمعًا.

القتل في وضح النهار
القتل في وضح النهار

 

اليوم لو أن فتاة تقدم لخطبتها أحد ولم توافق تقتل !
إذا كان هناك من هو أحسن من الآخر شأنًا يقوم بقتله !

من يريد أن يأخذ حقه لا يعرف شيئًا يسمى قانونًا بل أصبح قانونه هو الذي شَكلهُ لنفسه وهو القتل ؛ القتل أصبح وسيلة عادية يمارسها كل الأعمار؛ كما لو إنها تعلم كرة القدم ، أنا لا أعرف لِم أصبحنا هكذا ، أصبح دم الإنسان يسيل ويخطو عليه الجميع كشئ ليس له قيمة ، أصبحنا في مجتمع أرخص ما فيه هو دم الإنسان.

القتل في وضح النهار
القتل في وضح النهار

 

قصة نيرة أشرف لم تكن القصة الأولى من نوعها في سجل القتل ، فهناك قتل نيرة ، ومحمود البنا ، ونجلاء على يد صديقتها ، وغيرها وكل هذه الحالات تعددت فيها الأقاويل هناك من كان يحب وهناك من كان متحرش ويدافع عن ضحية الآخير وهناك من كانت تحقد على زميلتها وغيرها من الجرائم البشعة ولكن الأبشع من كل ذلك هو الخوض في العرض عند الموت ، نحن لم نكن بشر ، نحن أصبحنا كالحجارة التي لم ينفطر لها غالي ولا عزيز.

 

ففي ظل ذبح الفتاة وجريان دمها على الأرض هناك من يقول :

ممكن يكون عنده حق ؟
أحسن اللي حصلها مش شايفين لبسها ؟
أكيد مش محترمة ؟
راجل؟! ولكن والله ما أراه سوى إنه من أشباه الرجال ولكن لم تكن الرجال أشباه بل إنه لم يحمل تلك الصفة لا شكلًا ولا موضوعًا.

 

هل أخذك التخيل وعقلك البشري الذي ربما لم يكن عقلًا بل هو كقطعة من الغباء بداخل رأس هؤلاء أن تفتكر في مثل هذا الكلام وتبرر أفعال لم يكن لها تبرير سوى الهمجية والعجرفة والبعد عن الدين وتدني مستوى الأخلاق .

 

الذبح والقتل في وضح النهار ولم يخشون الله قبل أن يخشون الناس ، لم أجد في حياتي في مثل هذه الأيام أخطر من الإنسان على الإنسان نفسه، إن سُلطت عليه تجبّر وفَجر، ونحن أصبحنا في قمة الفجور والجبروت ، نحن في غفلة فقد سُلطت علينا الذنوب والقلوب الصمّاء ، فَنُزعت من القلوب الرحمة ومن أشباه الرجال النخوة فأصبحوا كالأنعام بل أضل.

 

كيف لك أن تتخيل أختك أو ابنتك في مثل هذا الموقف فقد ذهبت لأداء امتحان لها أو ما شابه ورجعت جثة هامدة بعد أن ذهبت على قدميها، فكيف لعقل بشري آدمي يستوعب كل تلك الصدمات التي أصبحت تنهال علينا كالأمطار ، أصبحنا نقتل النفس بغير وجه حق ، نخوض في الأعراض، نسرق، نغتصب، نساند الحرام ونمشي في طريقة ، أصبح الشيطان لنا قرين ، أين نحن ، في أية عصر ، نحن في عصر متسلط جبار قاهر مَسلوب منه جميع أنواع الرحمة.

 

ولأول مرة لم أشعر في نهاية مقالي بأنني متحمسه إلى أن أقول النهاية أو أوجه النصيحة ، فالكلام كثير ، ولكن من سيقرأ سوى الأسوياء ولكن الآخرين فهم في زحام الحياة لا يسمعون سوى صوت شياطينهم، سوى صوت نفوسهم المريضة ، فالنفوس المريضة هكذا لم يكن الكلام ولا النصيحة سبيل لاستشفاها بل القصاص لكل من ماتوا ضحية هؤلاء النفوس المريضة البشعة التي لا تعلم عن الآدمية ولا الإنسانية شيئًا سوى إنهم يحملون اسمها فقط دون التحلي بأية صفة منها ، نحن في حاجة ماسة إلى وقف تلك المهازل والجرائم ، فانعدم الخير بيننا وساد الفساد.

ومجمل الأحداث التي نعيش فيها هو قول الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم
“ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ”
صدق الله العظيم

وفي النهاية نسأل الله رب العالمين أن يخرجنا منها سالمين آمنين غير مفتونين ، اللهم لا تجعلنا من القاسية قلوبهم وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه

قد يعجبك ايضآ