عهود الجن المنسية

36

 

بقلم: عبدالعزيز مصطفى محمد

 

عزيزي القارئ إن كنت من المتابعين للأعمال الفنية الدراما والسينما العربية أو حتى السينمات العالمية فقد تخصصت بعض الأعمال المرعبة بالطبع في رسم الصورة النمطية و المعروفة عن المخلوقات التي نجهلها تمامًا مثل الجن و من على شاكلتهم لتشكيل وعي مغاير قليلاً للأسف للحقائق عن بعض تلك المخلوقات.

و إليك بعضها ففي البداية و قبل كل شيء عليك أن تعرف عزيزي القارئ بأن وجود الجن كان مسجل و حاضر في الذاكرة الأولي للعرب قديمًا و قد قيل بأن لهم دورًا و أراضي خاصةً بهم لا يدخلها أحد عليهم و قد كان ذلك قبل بزوج قمر بني هاشم ونزول الوحي الإلهي بالرسالة الخاتمة لسيدنا محمد صل الله عليه وسلم الذي سجلت بعض أحاديثه النبوية الشريفة نصوصًا عدت عهد ما بين الرسول صل الله عليه وسلم و صحابته الكرام وأهل الجن مما خالطوهم في مدينهم أو جوار مسجد رسول الله أو في بعض الصحاري الخالية و لقد منح الله عز وجل الجن قدرات هائلة لم يمنحها للإنس جميعًا، ومن تلك القدرات سرعة التنقل الفائق، والقوة الكبيرة التي تدل على عظمة الخالق -سبحانه-، و كما جاء في قصة سليمان عليه السلام عندما أراد أن يثبت لملكة سبأ عـظم ما أعطاه الله -عز وجل- له من نعم عظيمة يبرهن للملكة و من معها كم كانوا في ضلال مبين يوم عبد قومها الشمس دون الله سبحانة و قد ذكر لنا الله سبحانه وتعالى حديث سليمان عليه السلام مع الجان و وزراءه.

 

قال تعالى:

“قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين. قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك “
سورة النمل: 38- 40

 

قد مكن الله سبحانه وتعالى الجان من الكثير من القدرات فيستطيع الجن التحليق في الفضاء الخارجي، بل و كان بعضهم يستمعون إلى السماء، وينقلون أخبارها إلى الكهنة بعد إضافة كثير من الأكاذيب إليها تجعل من يسمعها يعبدهم من دون الله ، فلما بعث الله -عز وجل- النبي الخاتم ” حُرِسَت السماء بالشهب والملائكة.

 

يقول الله -عز وجل- على لسان أحد الجن :

“وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا “
سورة الجن: 8-9

والمسلم يؤمن بأن الله -عز وجل- قد سخر الجنَّ لنبي الله سليمان، يغوصون في البحر، ويستخرجون له من خيراته، ويبنون له القصور الشامخات، وقد جعلهم الله -عز وجل- من جنود سليمان عليه السلام.

فقال تعالى:

“وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون”
سورة النمل: 17 ..

و كما قلت سابقًا كان للجن دورًا خاصة بهم و مساكن يسكنون فيها وكانت تلك الأماكن مثل: الأماكن الخربة، والصحاري، والأماكن النجسة، والأماكن المظلمة. فقد كان فتى على عهد رسول الله “حديث عهد بعرس – تزوج حديثًا-، فخرج مع رسول الله ” إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله “بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يومًا، فقال له: “خذ عليك سلاحك، فإنى أخشى عليك قريظة”. فأخذ الفتى سلاحه ثم رجع، فوجد امرأته واقفة أمام حجرتها، فدخل البيت فوجد حية عظيمة على الفراش، فأهوى إليها بالرمح، فضربها به ثم خرج من الحجرة، ولكن الحية أسرعت نحوه، وأمسكت به، فما يُدرى أيهما كان أسرع موتًا، الحية أم الفتى، فذُكِرَ ذلك لرسول الله فقال:

“إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئًا، فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم “أي ظهر” بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان” صحيح مسلم

و قد كان الحديث لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أمن من أسلم منهم على حياته بين البشر و قد اخبرنا الرسول صل الله عليه وسلم عن طعام الجن أيضًا،فقال: “عن طعام الجن، وهو العظم والروثة، فقد سُئل الرسول عنهما، فقال:

“هما من طعام الجن” متفق عليه.

وعنه أنه قال:

” أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن ، ثم انطلق رسول الله ، بأصحابه فأراهم آثار الجن، وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد أي الطعام فقال: ” لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم ثم قال رسول الله فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم” رواه مسلم وأبوداود وأحمد ..

الجن و السحر 

مع التقدم والازدهار العلمي والثقافي تظل حقيقة وجود السحر هي حقيقة لا ريب فيها، يقول الله سبحانه وتعالى في سحرة فرعون

“سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم”
سورة الأعراف: 116.

وقال سبحانه:

“واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر”
سورة البقرة: 102

وقد مس الرسول عليه الصلاة والسلام سُحِرَ أيضًا على يد لبيد بن الأعصم اليهودي، كما قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-:

” سَحَر رسولَ الله يهودىٌّ من يهود بني زريق، يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان ” يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، دعا رسول الله “مرات، ثم قال: أُشْعِرْتُ أن الله أفتاني فيما فيه شفائي “أي أجابني فيما طلبت” أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب (أي: مسحور) قال: ومن طبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في ماذا؟ قال: في مُشط ومُشاطة “أي: شعر سقط من التسريح” وجُفَّ طلعة ذكر “أي غشاء الطلع” قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي ذروان. قالت: فخرج إليها النبي ” ثم رجع، فقال لعائشة حين رجع: ” نخلها كأنه رءوس الشياطين ” فقلتُ: استخرجته؟ قال: “لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيتُ يثير ذلك على الناس شرًّا ثُمَّ دفنت البئر” متفق عليه

 

لذلك عليك أن تعلم عزيزي بأن ماهم إلا مخلوقات الله لا يضرك منهم إلاّ بباطل أي سحر مبتغي من ضعاف النفوس المريضة التي لا تنفث إلا حقدًا و كره..

قد يعجبك ايضآ