ما بين القلب والعقل

408

كتبت: رويدا عبد الفتاح 

 

خلق الله الإنسان وأعطاه ذهنًا يدرك بدعة الأشياء وحقائقها، وأكرمه بجعله عاقلاً ومفكرًا. العقل هو القوة التي تساعده على استنباط الروابط وحل المشكلات بطريقة عقلانية، وأنعم عليه بقلب ينبض بين ضلوعه ليقيم طقوس الحياة.

 

القلب والعقل متضادان يكمل أحدهما الآخر، يتميز العقل بالصلابة والقوة، لأنه يقوم دائمًا على المنطق والاستدلال، ويحكم على المشكلات المختلفة بمعايير جازمة، بينما يتسم القلب باللين واليسر، ولا غنى عن كلاهما للإنسان وبنائه الروحي، فـ لين القلب يهذبه تدبير العقل، وصلابة العقل تلطفها رقة القلب.

 

يعيش الإنسان في حياته بدوافع حكمته وفيض مشاعره، أي أن عقله وقلبه هما اللذان يحددان سلوكه ويراعيان طبيعة مساره وأنشطته. قد يختلف العقل عن القلب حسب انقسامه الداخلي ومن ثم الخارجي، حيث من المقبول عمومًا أن العقل مرتبط بالأشياء المادية والعاطفة بالمشاعر.

 

فيما يتعلق بمشاعر الحب والتقدير يجب استخدام العقل أولاً حتى يقتنع بالفكرة والهدف، مما يعني أن القلب يحتاج أن يسجل أن الشخص الذي ينال الاعجاب والاهتمام يستحق ذلك، وإذا كان العقل وقود العلم والمعرفة، فإن القلب هو الصندوق العاطفي لنقاء الإنسان واستقراره العقلي والفكري والمادي.

 

ما بين القلب والعقل
ما بين القلب والعقل

التوازن الحميد بين القلب والعقل

 

غالبًا ما يكون التفضيل بين اختيارات العقل والقلب مستحيلًا، ويزداد الأمر سوءًا إذا استدعى الموقف أمرًا فوريًا. قد يكون هناك أناس يغرق نظامهم الفكري في نظامهم العاطفي، وآخرون يفيض نظامهم العاطفي على نظامهم الفكري، وهذا هو جوهر الاختلاف بين العاطفيين والمثقفين، ولكن هناك تداخل كبير في عمل القلب والعقل، حتى لو كان التباين كبير بينهما، كل منهما يكمل الآخر، والعقل يختار ويدرك الموقف، فهو محور المهمة، ثم يقدم الدليل، ويسأل القلب، فينظر إليه القلب من زاويته، ثم تصدر الأحكام قولاً وفعلاً.

 

ما بين القلب والعقل
ما بين القلب والعقل

العقل والقلب من منظور القرآن الكريم

 

طريقة الانسجام والتناغم بين العقل والقلب، ويقوم القلب والعقل بوظائفهما في آن واحد، وعدم الاستسلام لأحدهما في طابع الأنانية، والانجراف إلى النزوات الذاتية التي تفتقر إلى الروح البشرية، تجعل حياتنا صورة متكاملة بشكل متوازن، وتضمن لنا السير في الطريق الصحيح بعيدًا عن المؤثرات الخارجية. يهدف الإسلام إلى إقامة توازن في الحياة بين العقل والقلب، وهو ما يتجلى في وصف الله تعالى للمؤمن في سورة الفتح الآية 29 في كتابه الكريم العزيز: “أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ”، وهذه إحدى خصائص الأضداد، أن يكون المؤمن شديداً عنيفاً على ‏الكفار، رحيماً براً بالأخيار، الأولى من العقل والثانية من القلب.

 

كما استوقفتني الآية رقم 90 من سورة النحل، قال الله تعالى في كتابه الكريم: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ ‏بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ”. جاء الأمر الإلهي جلياً في التوازن والانسجام بين العدل والمحبة، فالعدل هو الميزان العقلي ومتطلب الحكمة، وفي الإحسان رحمة القلب وفيض العاطفة.

 

وفي دلالة أخرى في آية رقم 46 من سورة الحج، قال الله تعالى في كتابه العزيز: ” أَفَلَمْ ‏يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ ‏تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”. جعل الله سبحانه وتعالى موضع العقل في القلب، كما جعل موضع السمع في الأذن، ولولا أن العقل يستقر في القلب، لما ذكر الله تعالى أن الأذن هي موضع السمع. وهذا يثبت لنا أن القلب هو موضع الإدراك والتمييز، وأن الجسد بصلاحه يصحح الحق ويظهر بسواده يظلم الإنسان ويجهل، لقلب الإنسان دور في الحكمة والإدراك والمنطق، وبياضه يلعب دورًا في إنقاذ الإنسان من الشهوات والشبهات، والوصول إلى أعلى الجنات بالطاعات، كما وضع الله تعالى في القلب العقل الذي يميز بين الصواب والخطأ، وبين الخير والشر، وبين المعروف والمنكر.

إقرأ أيضاً:

الظلم ظلمات يوم القيامة

قد يعجبك ايضآ