النقد الثقافي ورؤية جديدة لرواية ذبح زينب

39

 

بقلم د. أمل درويش

 

ظهر النقد الثقافي كمشروع معرفي منفتحًا على الحقول المعرفية الأخرى مثل التاريخ وعلم النفس والأنثروبولوچيا والسوسيولوچيا والفلسفة والاقتصاد، ضمن فكر ما بعد الحداثة لتأسيس رؤية واضحة تستند على الأنساق المضمرة للنص، وتتحكم في إنتاج الخطاب وكيفية تأويله.

النقد الثقافي ورؤية جديدة لرواية ذبح زينب
النقد الثقافي ورؤية جديدة لرواية ذبح زينب

 

وقد دعى الحداثيون وما بعد الحداثيين إلى الارتقاء بالآخر والنظر إليه بنظرة إنسانية ترفض الظلم والاستعلاء والاستغلال، وتدعو إلى احترام الآخر ونبذ التمييز حسب اللون والعرق والجنس والعقيدة.

ونلاحظ ذلك في كتابات هيجل الأولى، وكذلك كتابات سارتر في الوجودية، ودريدا في التفكيكية، وكذلك إدوارد سعيد في كتابه (الاستشراق).

من هذا المنطلق كانت قراءتنا لرواية (ذبح زينب) للكاتب خالد الحديدي من زاوية أخرى، حيث قدم الكاتب رؤية شمولية لواقع مؤلم عانت منه النساء على مر العصور، وما زال يلقي بظلاله الكثيفة على واقعنا الحالي..

استهل الكاتب روايته بمقدمة يفند فيها أسباب إقدامه على سرد هذا العمل، واختمار الفكرة في ذهنه بعدما شاهد واقع الكثير من الإناث في ربوع الوطن العربي اللائي يحملن شرف القبيلة على رؤوسهن، وما إن يهتز عرش القبيلة وشرفها تدفع إناثها الثمن بذبحهن ليلقين نفس مصير زينب بطلة الرواية.

اختار الكاتب مرحلة هامة في تاريخ مصر الحديث وهي مرحلة دخول الحملة الفرنسية مصر بقيادة نابليون بونابرت، ورغم دهاء بونابرت ومحاولاته المستميتة في التقرب إلى الشعب المصري آنذاك واهتمامه بالمناسبات الإسلامية مداعبًا مشاعر المسلمين لكسب ودهم..

تمامًا كما وصف الكاتب إدوارد سعيد الاستشراق وعرّفه بأنه الأسلوب الغربي للسيطرة على الشرق، وإعادة بنيته وامتلاك السيادة عليه..

ولكن هذه الحيلة لم تنطلِ على عامة الشعب وإن كانت قد لقيت قبول الشيوخ وكبار التجار للمحافظة على مكانتهم الرفيعة وعدم التعرض لممتلكاتهم من قبل جنود الحملة الفرنسية، بل وحمايتهم كذلك ودعمهم..

 

ومن هؤلاء الشيخ خليل البكري الذي تقرب من بونابرت وقدم له ابنته زينب (القاصر) التي لا تملك من أمرها شيئًا وقد فتنتها الثقافة الغربية والتحرر، قدمها قربانًا لبونابرت لنيل رضاه والوصول لمنصب نقيب الأشراف.

ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟

حين أحس بونابرت بزعزعة مكانته في فرنسا انسحب من مصر تاركًا بعض رجال حملته، وتاركًا زينب لمصيرها..

زحف أهل المدينة نحو النقيب المزعوم وجردوه من سلطانه وملابسه ثم تركوه، ولم يصيبوه بأذى..

وعلقوا شرف الأمة في عنق زينب الفتاة القاصر وسحلوها حتى ساحة المحاكمة رغم توبتها وندمها، ثم حاكموها وهي قاصر ونفذوا حكم الإعدام أمام والدها الذي قدمها قربانًا ليصل لمبتغاه..

النقد الثقافي ورؤية جديدة لرواية ذبح زينب
النقد الثقافي ورؤية جديدة لرواية ذبح زينب

 

هكذا كانت القصة قديمًا، ونفسها تتكرر على مر الزمن..

موروث ثقافي يعلق شرف القبيلة في عنق الفتاة، لكونها الكائن الأضعف، وغض النظر عن المجرم الأول في القضية، وهو الجاني ومحاكمة الضحية..

لم ترتبط هذه العادة بالعرب والمسلمين؛ فما زال تاريخ أوروبا القديم يحمل إرثًا ثقيلًا من اضطهاد وعنف ضد المرأة وامتهان لكرامتها جعلها سلعة تباع وتشترى وتُهدى ولا تملك حق التصرف في نفسها..

وقد صورت الكنيسة المرأة على أنها الشيطان في الأرض، وأنها سبب كل الكوارث.. كما كانت سبب طرد آدم من الجنة..

هذا الموروث الثقافي ما زال يلوح في الأفق وتتفاوت درجاته من مكان لآخر، لكنها لم تنتهِ أبدًا.

 

قد يعجبك ايضآ