الفاشوش فى تشويه قراقوش

9

بقلم : عبدالعزيز مصطفى

 

رغم إصرار الكاتب ابن مماتى على أن وزير صلاح الدين الأيوبى قراقوش كان هو صاحب الأفعال المذكورة فى كتابة الفاشوش إلا أن كتابة الفاشوش فى حكم قراقوش ينتمى بالنسبة لنا إلى أدب الفكاهة والسخرية والهجاء الفظ ويمثل بحق أسلوباً فنياً بارعاً فى تصوير الغرابة والشذوذ وإحداث المفارقة الكوميديا. وهذا الكتاب الذى أضحك أجيالاً ولا زال يضحكنا، كتبه صاحبه باللغة العامية المصرية العامية، ووصل به إلى أعرض الجماهير حتى صار قراقوش فى المخيلة الجماعية للشعب مثالاً لكل حاكم أخرق ينحرف عن طريق العقل والمنطق فى سلوكه وتصرفاته التى يحكم بها الشعب و قد تعرض الكاتب ابن مماتى فى هذا الكتاب للأمير صاحب الدين ، بهاء الدين قراقوش بن عبد الله الأسدى وكان بهاء نائبًا لسلطان صلاح الدين الأيوبى فى مصر وموضع ثقته بأشد أنواع الإنتقاد الساخر ..

 صلاح الدين الأيوبى
الفاشوش فى تشويه قراقوش

ابن تغرى بردى و الفاشوش

و أما عن مصداقية الفاشوش فى حكم قراقوش فقد ذكر المؤرخ المملوكى ابن تغرى بردى فى كتابه «النجوم الزاهرة فى أحوال ملوك مصر والقاهرة» بأن فى الكتاب المنسوب لابن مماتى كان به أشياء كثيرة جداً يبعد وقوع مثلها فى الحقيقة ، ويرى أنها موضوعة بالأساس لأن السلطان صلاح الدين الأيوبى كان يعتمد كل الإعتماد فى أحوال السلطنة الكبيرة على الأمير بهاء الدين قراقوش ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فوضها إليه ، كما ذكر المؤرخ ابن خلكان فى وفياته أنه نظم كتاب كليلة ودمنة، وقال: وله ديوان شعر ليس بنفس شهرة بقية أعماله ويتأكد التكامل فى شخصية المؤلف بصورة أوضح حين نقرأ تقديمه لكتاب الفاشوش فى أحكام قراقوش بقوله: «إننى لما رأيت عقل بهاء الدين قراقوش محزمة فاشوش، قد أتلف الأمة، والله يكشف عنهم كل غمة، لا يقتدى بعالم، ولا يعرف المظلوم من الظالم . الشكية عنده لمن سبق، ولا يهتدى لمن صدق. ولا يقدر أحد من عظم منزلته على أن يرد كلمته، ويشتط إشتياط الشيطان، ويحكم حكماً ما أنزل الله به من سلطان، صنفت هذا الكتاب لصلاح الدين، عسى أن يريح منه المسلمين».

وهكذا قال المؤلف بأن كتابه تلك التى تظهر قراقوش بمظهر الساذج العصبى الغرض منها هى عزلة و صور و برر ذلك بأن الغرض الأول و الأخير من هذا الكتاب هو تحرير الشعب المصرى وتخليصه من تسلط قراقوش وقهره له ، لأنه قد سخر الشعب المصرى لبناء أمجاد صلاح الدين وتأكيد سلطانه, دون مراعاة لحقوق الفقراء ومشاعرهم، فإذا تفكرنا أيضاً أن كتاب “قوانين الدواوين” قدم لصلاح الدين أو أحد أبنائه من أجل تحرى الواقعية والعدل فى تقدير الجزية والضرائب على أفراد الشعب بجميع فئاته ، فإننا نكتشف البعد الآخر أو الدافع الرئيسى لابن مماتى، وهو مصلحة مصر على حد قولة والشعب المصرى عموماً . فإذا عرفنا أن صلاح الدين كان كردياً وأن قراقوش قائد جيشه كان صقلبية من مماليك القوقاز فى حين كان ابن مماتى مصرياً أباً عن جد ، لمحنا أثر الصراع بين المصريين والحكام الأجانب ..

 صلاح الدين الأيوبى
الفاشوش فى تشويه قراقوش

ولعل هذا ما جعل كازنزفا يقول: “إن ابن مماتى كان يسعى إلى هز الثقة بقراقوش، وهو قائد صلاح الدين الأيوبى ومن أقرب المقربين إليه، لأنه كان يعهد إليه بأمانة الإشراف على شئون مصر نيابة عنه عندما كان يضطر إلى السفر إلى سوريا للقاء الصليبيين” .

فصلاح الدين لا ينيب عنه مصرياً مهما كان قدره أبداً، وقد كان ابن مماتى مثلاً رئيساً لديوان الجيش وديوان المال في ذلك الوقت، و الجدير بالذكر أن الأمير بهاء الدين قراقوش كان كثير اللجاجة والخصومة ، فلا يقر مبدأ المنافسة في الأمور، ولا يحتمل الاصغاء إلى جدل من كبير أو صغير، وله رأى فى معاملة السوقة والعامة ، هو أخذهم جميعًا بالقهر والقسوة ، وهكذا فعل بالأسرى من الصليبيين وبالعامة الذين سخرهم فى بناء الأسوار والحصون لحمايتهم . وكان هذا سببًا فى كراهية ابن مماتى وسخريته منه لطمعه بأن يتولى الوزارة بدلاً عنه يوماً ما.” رغم صحة بعض أفكار قراقوش في الكثير من الأمور التى منها كانت منفعة عامة كان الناس يجهلونها من حزم نصوص القانون و فرض عقوبات على كل من يخالفه بكل قسوة حتى يخشى العقاب من كانوا يسلكون نفس الطريق الخطأ ، ومع ذلك يظل كتاب ابن مماتي شاهداً على الخصومة السياسية الفجة بين اثنين من صانعى تاريخ أمتنا العربية والمصرية على وجه الخصوص .

 

إقرأ أيضًا :-

مملكة فارسكور القصة المنسية

إمبراطورية المنيا القصة المنسية2

قد يعجبك ايضآ