مملكة فارسكور القصة المنسية

70

بقلم : عبدالعزيز مصطفى

 

كانت ومازلت مدينة فارسكور أحد أكبر المراكز وثانى أقدم وأكبر مركز من حيث عدد القرى داخل محافظة دمياط، وهى من مدن التاريخ المصرى القديم؛ حيث تتواجد بها بعض المعالم الأثرية، منها جامع الحديدى، وهو أحد أقدم المساجد فى مصر الإسلامية .. ولقد كانت فارسكور تتبع محافظة الدقهلية قبل ثورة 1952، أما الآن فهى فتتبع محافظة دمياط حيث يحتفل أبناء فارسكور بذكرى ثورة 1919 فى التاسع من مارس من كل عام، ففى 9 مارس 1919 اندلعت المظاهرات فى كل أنحاء مصر، إحتجاجًا على ما قد جرى فى الثامن من مارس، وهو اعتقال أربعة من قادة الوفد المصرى ونفيهم إلى جزيرة مالطة ..

كان الأحد 9 مارس سنة 1919 يومًا ليس عاديًا فى مصر، و هنا استيقظ المئات من أبناء دمياط على صوت صياح فى الشارع، بعضهم قرر النظر من النافذة ليفهم ما الذي يحدث، والبعض الآخر كان يدرك كل شيء وبمجرد سماع الضجيج قرر النزول من بيته ليشارك في أول إنتفاضة شعبية سلمية يقوم بها الشعب المصرى في تاريخه الحديث كله و منذ ثورات القاهرة الأولى و الثانية ضد نابليون بونابرت و ثورات الصعيد ضد محمد علي باشا ..

و لقد بدأت القصة التى نحن بصدد ذكرها معًا عندما وعدت بريطانيا مصر بنيل إستقلالها من الإحتلال البريطانى بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى التى اندلعت فى 1914 وانتهت فى 1918 وبعد دعم مصر لبريطانيا فى الحرب لكن لم تفِ بريطانيا بوعودها لنا بالتحرر وتطلّعت الرموز الوطنية فى مصر لحضور مؤتمر الصلح في باريس ليعرضوا قضية إستقلال مصر بشكل جدى وعلنى و هنا اتجهت مجموعة من زعماء الحركة الوطنية فى مصر إلى المندوب السامى البريطانى السير وينجت وكان الزعيم سعد زغلول على رأسهم ..

وقد كان يطلبون منه السماح لهم بالسفر لباريس وتمثيل مصر فيه لطرح قضية الإستقلال، غير أن السير وينجت وبعد أن استمع إليهم فى جلسة طويلة لم يسمح لهم بالسفر متعللاً بسؤال استنكارى وهو بأي حق فوض هؤلاء لأنفسهم التحدث باسم المصريين وهنا قام سعد زغلول وزملاؤه فى الوفد بجمع التوكيلات من عموم الشعب لتفويضهم للتحدث باسم المصريين وطبع الوفد آلاف التوكيلات ووزعها فى كل أقاليم مصر للحصول على توقيع المصريين عليها، ونجحت حملة التوقيعات، وأمام نجاح الحملة اضطرت القوات البريطانية إلى القبض على سعد باشا و رفاقه، و قد تم إرسالهم إلى مدينة بورسعيد في 8 مارس 1919، ومن هناك من بورسعيد تم نقلهم فى إحدى السفن الحربية إلى مالطة وكانت هذه شرارة الثورة فى اليوم التالى فى 9 مارس 1919 وقد بدأها طلبة الجامعة ثم طلبة الأزهر ..

محافظة دمياط
مملكة فارسكور القصة المنسية

واكتظت مصر بالمظاهرات التى شارك فيها كل طوائف الشعب من عمال وفلاحين وتجار وغيرهم، وشاركت النساء فى المظاهرات لأول مرة، وكانت ثورة 1919 قد اندلعت بعدما ظن كثيرون فى الخارج أن روح الثورة قد خبت فى عروق المصريين، وتبدأ مملكة فارسكور قصتها عقب نفى سعد زغلول فى مارس 1919، حيث اندلعت الثورة فى كل مكان تنادى بالإفراج عن سعد زغلول ورفاقه وباستقلال مصرو هنا انفصلت مدينة فارسكور عن التاج الملكى المصرى خلال حكم السلطان فؤاد لمصر والذى تحول لقبه لملك بمقتضى تصريح 28 فبراير لمصر فى مارس 1919 و أعلنت فارسكور مملكة مستقلة قد توج (حافظ دنيا) ملكًا عليها فى ذلك التاريخ والتف أهالى فارسكور ودمياط حوله وكانوا وحافظ دنيا ضد قوات الإنجليز و هنا نادوا به حاكمًا على شمال الدلتا كلها ، فاستولى على المركز والأسلحة وقطار محمل بالذخائر والمواد الغذائية للإنجليز و استطاع ملك فارسكور المتوج بحكمة كبيرة أن يدير شؤون مملكته و يشكل مجلسًا وزاريًا يشمل وزارة الداخلية و الحربية كما أنشأ وزارة اسمها قاطع المواصلات والطرق ، وأصبح حافظ دنيا ذائع الصيت وبلغت قوته عندما اعتقل مأمور مديرية دمياط 80 رجلاً، هددهم بأنه سوف يمنع المياه التى تأتى من ترعة الشرقاوية، فاضطر المأمور للإفراج عنهم وبالفعل نصب ملكًا على دمياط، وعين ٢٦ وزيرًا، وكانت آثار ثورته هذه أشد تأثيرًا وأهمية من إعلان جمهورية زفتى، وعندما قامت ثورة ١٩١٩ تحولت مصر إلى كتلة من نار من حماسة الشعب ..

وقد كان لحافظ دنيا دور كبير فى محيط فارسكور والمناطق المجاورة لها و تأثير رائع فى نفوس من عرفوه ، وكان هدفه الأول والأخير محاربة المستعمر والتصدى له بكل قوة ، فكون فى بداية الأمر خلية صغيرة تشكلت منه ومن بعض أقرانه الوطنيين، الذين يثق فيهم، وكان هدف الخلية مقاومة الإحتلال البريطانى بجميع صور القتال، ولقيت هذه الخلية قبولاً طيبًا من فئات كثيرة من أبناء الإقليم، فالتفوا حول حافظ دنيا يؤيدونه فى قيادته لمناهضة الإنجليز واعوانهم، وكانت شرارة هذا العمل المسلح بمهاجمة المجموعة لمركز شرطة فارسكور، واستولوا بعد قتال عليه، بما فيه من أسلحة وطردوا المأمور وأعلنوا العصيان وكان اللافت بعد هذه الحادثة هو انضمام الكثير من العساكر إلى هذه الحركة، التى لاقت التأييد الواسع وامتد صداها حتى وصل مشارف المنصورة والمناطق المحيطة بها، وبالطبع كان امتدادها أكثر فى دمياط عاصمة المديرية آنذاك، واتخذت الحركة هيئة الثورة ضد الإنجليز حيث تجمعوا الأهالى خلف حافظ دنيا فى قتاله ضد قوات الإنجليز ..

و بعد قتال طويل ومرير استولوا على المصالح الحكومية بفارسكور وقاموا بقطع الطرق على الإنجليز وحراسة مداخل النيل واستمر هذا الإستقلال قرابة 4 أشهر حتى استطاع الإنجليز الإستلاء على فارسكور وتم القبض على حافظ دنيا فى حادث فريد لشعب حر أبى كريم يحب الحرية ويشتاق لها وانتهى الأمر بأن أرشد عنه زوج شقيقته الخائن فوقع حافظ دنيا فى قبضة الإنجليز وعندما أحاطت دبابات الإنجليز بمنزله رفض أن يقبض عليه ضابط برتبة بسيطة، ولكنه طلب أن يأتي إليه القائد الإنجليزى، واقتيد إلى مدينة المنصورة وصدر ضده حكم بالإعدام وتم العفو عنه ومن معه من قبل الملك فؤاد خوفاً من إعدامه وخروج الأمر عن السيطرة ..

محافظة دمياط
مملكة فارسكور القصة المنسية

وعن حافظ دنيا ملك فارسكور فقد ولد حافظ دنيا فى مدينة فارسكور فى 25 يونيو 1885 وبعد انطلاق العمليات ضد الإنجليز اجتمع أعضاء الحركة، وقرروا بالإجماع إختيار المناضل حافظ إبراهيم دنيا قائداً وزعيماً لها، وتدخل المحتل البريطانى بقوته، وأصدر أوامره إلى مدير دمياط المحافظ آنذاك لقمع هذه الحركة بكل السبل، فأرسل حامية كبيرة من الجنود الإنجليز بمرافقيهم ومعداتهم، وتمكنوا من اعتقال حوالى ٨٠ من أعضاء الحركة، وإزاء ذلك هددت الحركة بقطع إمداد المياه الواصلة من ترعة الشرقاوية، التى تغذى مديرية دمياط إذا لم يتم الإفراج عن الأسرى، وتفاقمت الأمور وازدادت شعبية حافظ دنيا إلى حد الزعامة القومية، فنصّبه الثوار المحيطون به ملكاً على فارسكور وشمال الدلتا، واستمر ملكًا لمدة ٣ أشهر وعشرة أيام وهنا اندلعت الثورة فى فارسكور واندلعت بعد رفض الإنجليز مطالب سعد زغلول وفريقه بالتفاوض من أجل المطالبة الوطنية وهى بالتالى تواكبت مع ثورة يوسف الجندي فى زفتى و بالفعل الثورتان كانتا متزامنتين ولكن دون تنسيق، فالروح الوطنية كانت مشتعلة فى أنحاء البلاد، والمثقفون الوطنيون هم الذين قادوا الحركة فى بلادهم لتحرر ..

وعندما أيقن المحتل الإنجليزى أن ثورة حافظ دنيا وتنصيبه ملكًا على شمال الدلتا بدأت تنتشر مثل النار فى الهشيم كان لابد له من الإمساك برأس الثورة واعتقاله، وتم له ما أراد باستخدام الغدر والوشاية فالإنجليز جاءوا إلى منزل حافظ دنيا ووضعوا المدافع أمام بابه، بحثا عنه ، بصفته ثائرًا ضد السلطة، وكان زوج شقيقته نائبا للعمدة فى ذلك الوقت، وهو الذى كان قد أبلغ الإنجليز عن مكان نسيبه حافظ دنيا ، وأرسل الإحتلال ضابطاً صغيراً لإلقاء القبض على حافظ دنيا ، إلا أنه رفض ووكز الضابط بعصاه، وقال له اذهب وأحضر قائدك إلى هنا ، وبالفعل ذهب الضابط وأحضر قائم المقام وألقى القبض على دنيا، وتم ترحيله إلى المنصورة، وهناك تم الحكم عليه بالإعدام، ولحسن الحظ صدر عفو له وذلك بعد إشتعال الثورة الداعية للإفراج عنه والتهديد بإشعال دمياط كلها واستقبل أهالى فارسكور حافظ دنيا إستقبال الفاتحين بعد عودته من المنصورة، مع العلم تصرف حافظ دنيا فى جميع أراضيه، التى بلغت ٣٥ فداناً خلال ثورته، رغم أن زوجتة نصحته بأن يراعى حقوق أولاده الصغار، إلا أنه لم ينصت لها، ومع ذلك فقد كل الأطيان وبعد مرور شهر من العفو عنه اسدعاه الزعيم سعد زغلول فى القاهرة، الحمد لله على سلامتك وسوف نعمل بكل جهدنا للقضاء على هذا الإحتلال وإزاحة الغمة، ومنحه ٥٠ جنيهًا تقديراً له على جهوده فى إعلاء كلمة الثورة و الثوار ..

 

إقرأ أيضًا :-

سليمان الجوسقى المحارب الأعمى

ملحمة إيتانا والصعود للسماء السابعة

قد يعجبك ايضآ