الحكومة الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات في مصر

43

 

كتب: كريم محمد علي

 

إن المعلومات والبيانات المتاحة ورقياً أو حتى إن كانت دفترياً، أصبحت غير مجدية في ظل التطور والتوسع التكنولوجي لهذا العصر الجديد، بكل ما فيه من آلالات ومعدات حديثة وشبكات وأقمار صناعية بعيدة المدى مستخدمة في الأتصال لاسلكياً بأجهزة أخرى، لذلك أصبحنا بحاجة لكل وسيلة أكبر وأقوى لتشمل تعدد المعلومات وتنوعها بمختلف خصائصها التي لا يمكن لها أن تتوقف أو تنتهي يوماً ما، فمن الصعب السيطرة على الكم الهائل من البيانات المتاحة حالياً أو البيانات المتوقع الحصول عليها مستقبلاً، فهي بيانات لا حصر لها سواء كانت على مستوى منظمة محدودة أو شركة محلية صغيرة، أو حتى كانت على مستوى قطاع خاص لمؤسسة كبيرة أو قطاع حكومي لدولة بأكملها وما قد تربطها من بيانات ومعلومات بالعالم الخارجي المتصل بها.

 

تكنولوجيا المعلومات في إدارة البيانات:

إلى هنا يتضح لنا مدى أهمية إستخدام الاجهزة الإلكترونية في إدارة وتنمية المشروعات المختلفة مهما كان نوع النشاط المستخدم في ذلك، وكلما زاد كمية وحجم ونوع البيانات كلما زاد الإحتياج إلى نظام إلكتروني قوي يمكنه حفظ وتنسيق البيانات بالشكل المناسب والمطلوب حسب الغرض منها، والعمل على تخزينها بشكل أمن بعيداً عن الفقد والأتلاف، حتى يمكن بسهولة الرجوع والوصول لها في وقت الحاجة إليها، والاعتماد عليها في اتخاذ كافة القرارات من أجل بناء تنمية سليمة، وكلما تم الأعداد جيداً لنظام إلكتروني شامل وسريع، كلما كان ذلك يعكس تأثيراً إيجابياً في تطور واستخدام تلك البيانات على نحو أفضل.

 

الحكومة الإلكترونية والتنمية الإدارية الحديثة:

يمكن القول بأن الحكومات هي الأكثر احتياجاً لنظام إلكتروني حديث وهو ما يعرف بـإستخدام “تكنولوجيا المعلومات“، لما قد يوفره من بيئة ملائمة متطورة من أجل تنمية حقيقية في المستقبل القريب والبعيد.

 

تاريخ الحكومة الإلكترونية وتكنولوجيات الاتصالات والمعلومات في مصر:

من أجل إنشاء حكومة إلكترونية ناجحة وفعالة، كان لابد من توافر متطلبات أساسية من وسائل ومعدات أتصال حديثة سريعة وآمنة لأعداد وبناء تكنولوجيا معلومات سليمة وقوية، وذلك تطلب بذل جهد كبير من الحكومة المصرية طيلة السنوات السابقة، حيث في منتصف الثمانينات عام 1985 بدأت مصر بالفعل بإنشاء الحجر الأساسي لمركز المعلومات واتخاذ القرار، وفي عام 1999 كانت مهمة وزارة الاتصالات والمعلومات في وقتها العمل على تقوية البيئة التحتية للمعلومات والبيانات المتاحة، وقامت بوضع ما تعرف بـ “الخطة القومية لتكنولوجيا الأتصالات والمعلومات والتي يتم اعدادها وتنفيذها من خلال 7 محاور رئيسية، وتأتي الحكومة الإلكترونية في المرحلة الثالثة، ويسبقها مرحلتين أساسيتين،

يمكن توضيح الثلاث مراحل فيما يلي:

1- التأهب والاستعداد الإلكتروني:

وهي التأكد من استعداد وقدرة البلد على المشاركة والأندماج في الأتصال الإلكتروني بها من عدمه، ومدى الاستفادة من البيانات والمعلومات المتوفرة بها واستخدامها في إعداد وبناء تكنولوجيا معلومات يمكن الاعتماد عليها في أعمال التطوير والتنمية اللانهائية.

 

2- التعليم والمعرفة الإلكترونية:

وهو ما يعرف “بالتعليم عن بعد”، الذي يعتمد على إستخدام أجهزة الحاسب الألي وما يتصل به من شبكات عبر الإنترنت وغيرها من الوسائل المساعدة على ذلك، لنقل المعارف والمهارات المختلفة، حتى يتم تطوير التعليم من الحفظ والتلقين إلى مرحلة أكبر وهي الإبداع والتفاعل وتنمية المهارات والمواهب الغير تقليدية، وتشمل تطبيقات التعلم عبر الويب بإستخدام أجهزة الكمبيوتر وما يعادلها من أجهزة تعمل بأنظمة تشغيل متعددة، يمكنها الدخول إلى غرف تدريس افتراضية، ويتم تقديم محتوى الدروس عبر الإنترنت والتسجيلات الصوتية من الأشرطة السمعية والأقراص المدمجة CD/DVD والفلاشات الـ USB، أو حتى عن طريق وسائل التواصل الإجتماعي مثل الواتساب Whats App والفيسبوك Facebook، أو عن طريق الإيميلات Emails، ويتم التواصل من خلالها والرد على جميع الأسئلة المحتملة، وإرسال الاختبارات النهائية وكذلك الأبحاث من خلال برامج معدة لإجراء هذا العمل.

 

3- حكومة إلكترونية “E-Government”:

يتلخص تعريفها بأنها “إعادة بناء وابتكار البيانات والأعمال الحكومية بواسطة عمليات وطرق جديدة لإدراج وإدماج المعلومات في تكوينها مع إتاحة فرصة إمكانية العثور والوصول إليها من خلال الأتصال بموقع إلكتروني مصمم ومعد خصيصاً لهذا الهدف”.

 

أو هي قدرة القطاعات المختلفة حسب نوعها وعملها على تبادل ونقل المعلومات وتقديم وعرض البيانات والخدمات فيما بينها، وبين المواطنين، وقطاعات الأعمال المتنوعة، مستخدمة في ذلك وسائل الأتصال السريعة عبر الشبكات العنكبوتية التي ترسل البيانات بدقة عالية بدون إحداث تغيرات بها، ويتم ذلك بأقل تكلفة ممكنة مع الحفاظ على سرية المعلومات المقدمة والمرسلة في كل وقت ومكان، حيث إنها نظام إفتراضي يتم العمل عليه من خلال المواقع الإلكترونية، تمكن جميع الأجهزة والقطاعات الحكومية من تنفيذ وتأدية جميع أعمالها وإلتزاماتها لجميع المستفيدين عن طريق إستخدام التقنيات الإلكترونية الحديثة مهما كان المكان والزمان، مع تحقيق أقصى درجة ممكنة من جودة وكفاءة وسرية وأمن المعلومات المقدمة من خلالها.

 

وتتمثل نماذج تفاعلات الحكومة الإلكترونية في 4 منصات أساسية:

النموذج الأول :

حكومة إلى حكومة “EG to EG” أو “E Government to E Government”

وهي منصة التعامل الإلكتروني التي يتم تشغيلها داخل أجهزة الدولة الواحدة، التي من خلالها يتم التواصل بين أكثر من وزارة وجهة حكومية في وقتاً واحد، بأختلاف الزمان والمكان في تبادل المعلومات والبيانات فيما بينهم بالشكل والطريقة وبالأدوات المناسبة لهم في إستخدامها.

 

ومن أمثلة المشاريع التي تستخدم تكنولوجيا المعلومات بين قطاع حكومي و قطاع حكومي أخر:

“مشروع العدالة الجنائية وإنفاذ القانون”

يقوم هذا المشروع بإستخدام تكنولوجيا المعلومات للربط بين جهة “وزارة الداخلية” وجهة “وزارة العدل”، وهدفها الاساسي هي سرعة الأتصال بين الجهتين، وتداول المعلومات بينهما من إدخال البيانات وحفظها وتخزينها وإرسالها للجهة الأخرى المعنية بذلك، مستخدمة في ذلك كل وسائل تكنولوجيا الأتصال الحديثة، مع مراعاة كل الطرق الأمنية للحفاظ على سرية المعلومات، وعدم إفشائها وعرضها، وهذا يتيح فرصة حقيقية للحفاظ على جودة المعلومات والبيانات المتداولة، والتأثير الإيجابي والفعال من خلال هذا الدمج الإلكتروني، والعمل الدائم على رفع الكفاءة الفنية لوسائل تكنولوجيا المعلومات المستخدمة في الأتصال بين الأجهزة بمختلف مراحلها وأقسامها.

 

يساعد “مشروع العدالة الجنائية وانفاذ القانون” على سرعة اتخاذ القرارات والإجراءات وإرسالها للجهة الأخرى المعنية، وذلك يضمن تحقيق العدالة وتنفيذ القانون دون تأخير في أداء عمل المنظومة، حيث تقوم “أقسام الشرطة” بإدخال محضر الشرطة مع صورة ضوئية للمستندات وإرفاقها مع البيانات على أجهزة الحاسب الآلي، وإرسالها عن طريق شبكة الإنترنت إلى “النيابة العامة” لاتخاذ ما يلزم من قرارات وإجراءات، ويعاد ارسالها مرة أخرى إلى مركز المعلومات بوزارة الداخلية للبدء والإسراع بالتنفيذ، وإذا لزم الأمر يتم إرسالها لجهة ثالثة وهي “المحكمة” ليتمكن القاضي المختص في ذلك من الإطلاع على القضية لإعطاء حكم نهائي لها، فهي تعد دائرة متصلة بين أكثر من جهة تعمل مع بعضها في الوقت ذاته، وذلك لضمان سرعة تنقل البيانات بينهما بالشكل المطلوب والمناسب لتحقيق العدالة وإنفاذ القانون.

 

النموذج الثاني:

حكومة إلى شركات القطاع الخاص “EG to B” أو “E Government to Business”

وهي المنصة الإلكترونية التي تستخدم في الأتصال بين “الحكومة أو مؤسسة حكومية معينة” مع “شركات القطاع الخاص”، لتداول البيانات فيما بينهما، للقيام بإجراءات البيع والشراء، وعرض المناقصات والمزايدات والدخول فيها، وإستيفاء المستندات المطلوبة وإرسالها للجهة الأخرى، ويتم ذلك بشكل منظم وسريع من خلال شبكة الإنترنت، وبطريقة تضمن سرية المعلومات المالية المرسلة بين أطراف الأتصال المستفيدة من إتمام تلك العمليات التجارية.

 

النموذج الثالث:

حكومة إلى أفراد “EG to C” أو “E Government to Citizen”

وهو نظام تكنولوجيا المعلومات المتبادل بين “الحكومة” و”المواطنين الأفراد” بمختلف خصائصهم وتنوعهم المجتمعي المتعدد، وتستخدم في التواصل المباشر بينهما، لإرسال البيانات بشكل منظم برقم تعريفي لكل فرد يميزه، حتى يمكن بسهولة الوصول لتلك المعلومات وفي وقت أقل ممكن، مما يخفف العبء والازدحام على الجهات الحكومية المستفيدة من تلك البيانات والمعلومات.

 

ومن أمثلة تكنولوجيا المعلومات المستخدمة فيما بين “الحكومة” و “المواطنين”

1- الأحوال المدنية والتموين:

وهي مثل البيانات والوثائق وتعريف البيانات الشخصية، وسجلات الأحوال والتموين لإضافة الأفراد والتعديل عليها بالشكل المرغوب فيه، وفقاً للمعايير والبنود القانونية المحددة لذلك.

 

2- التربية والتعليم:

وهي مثل خدمات “التنسيق للثانوية العامة” التي يتم بها ملئ استمارة الرغبات للطالب، ويقوم بذلك أونلاين عبر شبكة الانترنت، مع الحفاظ على البيانات والتعديل عليها في أي وقت، وأيضاً المتمثلة في جميع الخدمات المتعلقة بالتعليم والتدريب عن بعد،

 

3- التضامن الاجتماعي:

وهي ما تعرف بأسم “الخدمات الاجتماعية” مثل المعدة والمقدمة من خلال مبادرة رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي “حياة كريمة”، وكذلك مشاريع “التمكين الاقتصادي” للمواطنين من خلال توفير الوظائف والمشاريع المناسبة لهم حسب الحرفة والمهارة لديهم.

 

4- الصحة:

وهي المتمثلة في “الرعاية الصحية” التي استخدمت مؤخراً لمجابهة جائحة “فيروس كورونا” التي وصلت جميع أنحاء العالم وعانت منه جميع الحكومات، التي جعلت من أولوياتها مجابهة هذا الفيروس الخطير والعمل على زيادة الوعي الصحي للوقاية منه، مستخدماً في ذلك شبكة الإنترنت للتواصل مع كل مواطن للتسجيل بالرقم القومي الخاص به، من أجل أخذ اللقاح المضاد لهذا الفيروس، مع إعلامه الوقت والمكان المحدد لأخذ الجرعة الواجبة، وذلك إستعداداً للموجات التالية المهاجمة من هذا الفيروس الخطير.

 

5- الخدمات المالية:

وأيضاً الخدمات المالية واعداد وسائل الدفع للتسديد مقابل الخدمات المقدمة من الحكومة للمواطن مثل “الكهرباء” و “الغاز الطبيعي” و “المياه الصحية”، وكذلك دفع فواتير “الهاتف الأرضي أوالخلوي”، وكل ما يتعلق بإرسال الشكاوي والمقترحات للشركة والقطاع الحكومي الذي يقدم تلك الخدمة.

 

6- مشروعات الإسكان:

وكذلك “خدمات الإسكان” مثل مشروع “الإسكان الاجتماعي” الذي من خلاله يقوم المواطن بتقديم كراسة الشروط الخاصة به، وبها جميع المستندات اللازمة والمطلوبة من أجل الموافقة على تخصيص وحدة سكنية له، بعد فحص جميع المستندات والبيانات المدخلة من جانب المواطن ومدى مطابقتها للشروط الموضوعة من قبل الجهة الحكومية المسئولة عن هذا الأمر من معالجة البيانات ومراجعتها، ومن ثم القيام بالموافقة عليها أو رفضها مع بيان السبب في ذلك، وتنظيم الدفعات والأقساط حتى يتم إستلام الوحدة المخصصة.

 

7- الديمقراطية والمشاركة:

وهي الخدمات الإلكترونية التي تقدم وقت الإنتخابات والإستفتاء، مثل معرفة “رقم اللجنة” و “مكان اللجنة” و “رقم الناخب” في الكشف المسلسل، وأيضاً إعلان النتائج وعرض المعلومات الكافية لإتخاذ القرارات.

 

8- التعبئة العامة والإحصاء:

وهو الذي تم تقديم من خلاله مشروع “التعداد السكاني”، وهو عمل إحصاء عددي لجميع السكان بكل منطقة محددة، وعدد المنشأت التجارية الموجودة بها بكل أنواعها، مع نسبة الخدمات المتوفرة من “غاز” و “كهرباء” و “مياه” و ” صرف صحي”، وذلك لتحسين جودة الخدمات وتقديمها أن لم تكن متوفرة، وفي هذا المشروع تم إستخدام جهاز لوحي إلكتروني “تابلت” في تسجيل البيانات وإرسالها أول بأول للإدارة عن طريق شبكات الإنترنت الخلوية، والحصول على تلك البيانات والمعلومات من خلال المواطنين أنفسهم.

 

أهداف الحكومة الإلكترونية باستخدام تكنولوجيا المعلومات:

بالتأكيد أن استخدام تكنولوجيا المعلومات كان لها دور وتأثير كبير في حياة الحكومات مهما كانت دولة متقدمة غنية أو دولة نامية فقيرة، فهو بمثابة طوق نجاه من مخاطر الزمن وكل ما يحمله من تحديات صعبة واجب مواجهتها، ولذلك تتلخص مزايا الحكومة الإلكترونية بكافة أشكالها وأنواعها فيما يلي:

1- الأتصال التام والمستمر لأجزاء النظام الإداري العام والرئيسي.
2- تمكين القدرة على تطوير العمليات الإدارية وتحسين دورها في خدمة أهداف كل مؤسسة.
3- المساعدة على خلق طرق وآليات حديثة وفعالة يمكنها دعم عملية اتخاذ القرارت.
4- ضمان تدفق المعلومات والتغذية المرتدة للبيانات وبدقة وفي التوقيت المناسب.
5- تخفيض التكاليف المتبعة في الإدارة التقليدية القديمة وتحسين الإنتاجية إلى أقصى درجة ممكنة.
6- القضاء على العيوب والمشاكل التي قد تؤثر بالسلب على التطور والتنظيم الإداري السليم لكافة المعلومات والبيانات المستخدمة في ذلك البحث.

 

قيود الحكومة الإلكترونية التي قد تؤثر على قدرة استخدام تكنولوجيا المعلومات:

1- البعد السياسي للدولة ورؤيتها المستقبلية التي تنعكس على إتخاذ قرارتها.
2- عدم وضع ميزانية مالية تساعد بشكل حقيقي على التطور التكنولوجي.
3- عدم جاهزية قانون المعاملات الإلكترونية مما يصعب من تنفيذ المشروعات.
4- التباطؤ والاهمال في عملية اتخاذ القرارات المهمة التي من شأنها تعزيز التقدم العصري الجديد.
5- عدم القيام بعمليات الإصلاح لمنظومة تبادل البيانات والمعلومات والاندماج في نظام معلوماتي موحد يسهل ربطه معاً.
6- تدني المستوى التعليمي والثقافي في استخدام الانظمة الإلكترونية، وعدم توفير طرق للتطوير على نحو أفضل.
7- نقص المهارات المتخصصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مما يصعب من العمل من خلاله على الوجه الأمثل والملائم له.

 

نجد في النهاية أنه لا سبيل للحياة في هذ العصر الجديد من التقدم التكنولوجي اللانهائي، إلا عن طريق إستخدام تكنولوجيا المعلومات، الذي يزداد خطورة أكثروأكثر يوماً بعد يوم، إذا لم يوضع في المرتبة الأولى من الأهتمام كبداية تطوير اصلاح لمخلفات الماضي والحاضر والمستقبل، وذلك في ظل أن العالم يتصارع من أجل البقاء وفرض السيطرة على زمام الأمور من أجل الوصول لبر الأمان، ومن لم يفعل، عليه أن يواجه مصيره لمواجهة سقوطه في بئر من الظلام، غير معلوم نهايته، ولكنها مأساوية لا محالة.

قد يعجبك ايضآ