شدة بني أيوب 

57

بقلم : عبدالعزيز مصطفي

الشدة المستنصرية ..

لا يوجد عربي أو مصري علي وجه الخصوص لا يعلم ما قد أصاب مصر في عهد المستنصر بالله فمع السنوات الأولى من الشدة المستنصرية عاصر المصريين و لاول مره ما قد سمعوه عن المجاعة في عهد نبي الله يوسف عليه السلام فلقد تصحرت الأرض وهلك الحرث والنسل وخطف الخبز من على رؤوس الخبازين وأكل الناس القطط والكلاب حتى أن بغلة وزير الخليفة الذي ذهب للتحقيق في حادثة أكلوها وجاع الخليفة نفسه حتى أنه باع مقابر آبائه من رخام وتصدقت عليه ابنة أحد علماء زمانه وخرجت النساء جياعا صوب بغداد .

ومما روى المؤرخون ك ابن أياس و ابن تغري بردي عن مدى القحط والمجاعة التي استبدت بالناس أن الخليفة المستنصر نفسه باع كل ما يملك في القصر، حتى بيع من المتاع ثمانون ألف ثوب، وعشرون ألف درع، وعشرون ألف سيف محلي، حتى الجواهر المرصعة بالأحجار الكريمة بيعت بأبخس الأثمان، ولم يبق له إلا حصيرة يجلس عليها وبغلة يركبها وغلام واحد يخدمه .

وذكر المؤرخ ابن إياس في كتابه أن «الناس أكلت الميتة وأخذوا في أكل الأحياء وصنعت الخطاطيف والكلاليب لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح وتراجع سكان مصر أقل معدل في تاريخها» .

وأشار تقي الدين المقريزي، في كتابه «إغاثة الأمة بكشف الغمة»، إلى أن الناس أكلوا القطط والكلاب، مضيفًا: «أكل الناس القطط والكلاب بل تزايد الحال فأكل الناس بعضهم بعضا، وكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها وعليهم سلب وحبال فيها كلاليب فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه ونشره في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكله».

وقال «المقريزي» في كتابه «اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء» تأييدا لما سبق «ظهر الغلاء بمصر واشتد جوع الناس لقلة الأقوات في الأعمال وكثرة الفساد وأكل الناس الجيفة والميتات ووقفوا في الطرقات وقتلوا من ظفروا به، بيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط وبلغت رواية الماء دينارا وبيع دار ثمنها تسعمائة دينار بتسعين دينارا اشترى بها دون تليس دقيق وعم مع الغلاء وباء شديد وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد فانقطعت الطرقات براً وبحراً إلا بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر وبيع رغيف من الخبز زنته رطل في زقاق القناديل كما تباع التحف والطرق في النداء: خراج، خراج، فبلغ أربعة عشر درهما وبيع إردب قمح بثمانين ديناراً، ثم عدم ذلك كله، وأكلت الكلاب والقطط، في بيع كلب ليأكل بخمسة دنانير».

المستنصر بالله
شدة بني أيوب

الشدة الأيوبية ..

ولفت «المقريزي»، في كتابه «إغاثة الأمة»، إلى حدوث مجاعة مشابهة للسابقة، «أيام الحافظ لدين الله وفي عهد الفائز وفي سلطة العادل أبي بكر الأيوبي سنة ست وتسعين وخمسمائة و قد سميت بالشدة الايوبية أو شدة بني أيوب بسبب توقف النيل عن الزيادة، فأكل الناس صغار بني آدم من الجوع فكان الأب يأكل ابنه مشويا ومطبوخا والمرأة تأكل ولدها، وكان يدخل الرجل دار جاره فيجد القدر على النار فينتظرها حتى تتهيأ فإذا هي لحم طفل».

وذكر أنه «لما أغاث الله الخلق بالنيل لم يجد أحد يحرث أو يزرع» لضياع الخلائق من المجاعة التي قد ضربت مصر حتي أهلكتها إلى آخرها ..

وانتقل المقريزي في روايته فصل خاص عن أسباب هذه المحن التي تعرضت لها البلاد خلال ضده بني أيوب و فردها إلى ثلاثة أسباب: «أولها توصل الجهلاء والظالمين بالرشوة إلى تقلد أعلى مراتب الحكم في الدولة والمناصب الدينية وولاية الخطط السلطانية من وزارة وقضاء ونيابة وغيرها واضطرارهم لتسديد ما وعدوا به السلطان من أموال إلى تعجلها من أعضاء حاشيتهم وأعوانهم في قرروا عليهم ضرائب تدفعهم أن يمدوا أيديهم إلى أموال الرعايا الذين يضطرون إلى الاستدانة وبيع ما يملكون من أثاث وحيوان.

و قد تابع المقريزي في تفنيد الاسباب التيقد ألمت بمصر خلال شدة بني أيوب أو الشدة الأيوبية و قال أن «ثاني الأسباب لهلاك الزراعة هو ارتفاع إيجار الأطيان، وغلاء نفقات الحرث والبذر والحصاد، وارتفاع ثمن المحاصيل مما نتج عنه خراب كثير من القرى وتعطيل الأراضي الزراعية ونقص فيما تخرجه الأرض من غلال لموت كثير من الفلاحين والذراع وتشريدهم في البلاد وقد هلكت دوابهم، والعجز آخرين ممن يملكون الأراضي عن زرعها لارتفاع سعر البذور ونقص اليد العالمة، ثالثها رواج النقود النحاسية التي أصبحت النقد الغالب، واختفاء الدراهم والدنانير من التعامل لعدم ضربهما ولربك ما بأيدي الناس منهما لاتخاذه حاليا، وقد تفنن الأمراء والأتباع والأعوان في الترف والتأنق وتباهوا بفاخر الذي وجليل الحلي، فكان أن دهى الناس وذهب المال وقلت الأقوات وتعذر وجود المطالب». فوصلت البلاد إلي ما قد وصلت اليه من الخراب و التشتت والضعف ثم المجاعة و الموت الأليم ..

المستنصر بالله
شدة بني أيوب

 

مصادر المقال ..

– كتابة أغاثة الأمة ل تقي الدين المقريزي (باب السلطان العادل أبي بكر الأيوبي).

– كتاب المنهل الصافي والمستوفي لابن تغري بردي.

– المراجعة اللغوية : ناريمان حامد .

 

 

إقرأ أيضاً :-

بردية وستكار وحكايات خوفو

لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الرابع)

 

قد يعجبك ايضآ