لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الرابع)

172

بقلم الكاتبة والباحثة الأثرية: ندى محمود غريب .

 

عصر الإنتقال الأول

بعد إنتهاء عصر الدولة القديمة بدأت مرحلة جديدة من تاريخ مصر القديم أطلق عليها عصر الإنتقال الأول وامتدت فى الفترة مابين ( 2200-2040ق.م )، كما أطلق عليها عدة مسميات أخرى مثل ( عصر الثورة الإجتماعية الأولىعصر الفوضى الأول )، وعلى أية حال فقد ضم هذا العصر أربع أسرات (7-10) حكموا لمدة 160 عام تقريباً ، وهى فترة وجيزة تدل على تدهور أحوال مصر السياسية والإقتصادية والإجتماعية ..
ولعل أبرز مايُميز هذه الفترة هو إحتدام الصراع بين البيت الطيبى (نسبة إلى طيبة) والبيت الإهناسى (نسبة إلى إهناسيا) فكل منهم يحاول إنتزاع السلطة من الآخر .. فى حين إنتعشت الطبقة الوسطي فى المجتمع المصرى وبرزت روح الفردية مما أدى إلى عدم الإستقرار بسبب تفرق وجهات النظر وتبديد إمكانات الدولة وعدم توجيهها الوجهة السليمة ، كذلك إزدادت قوة حكام الأقاليم وتوسعت سلطتهم ..
إستمر الحال هكذا حتى تولى الملك نب-حبت-رع (منتوحتب الثانى) الحكم وقام بتوحيد البلاد من جديد .. أما الأسرة الثامنة فأسسها الملك “نفر-كارع” .. والأسرة التاسعة فقد أسسها الملك “خيتى الأول” ويبدو أنه كان أفضل ممن سبقه من الملوك حيث عُثر على إسمه عند الجندل الأول ومدّ سلطته جنوباً حتى ثِنى .. أما الأسرة العاشرة فكان مؤسسها الملك “مرى-حتحور” وكانت هذه الأسرة ذات دلالات وإشارات على الصراع الطيبى والإهناسى ، واستمر هذا الصراع إلى أن نجح حكام البيت الطيبى فى إخضاع البيت الإهناسى لسيادتهم وتوحيد مصر ، وخلال تلك الفترة إلتزم المصريون الصمت شبه المُطبق عن هذه الفترة الغامضة الحالكة من تاريخ مصر ..

عصر الإنتقال الأول
لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الرابع)

 

الأحوال الإقتصادية :- سياسة البذخ والنفقات الباهظة التى أنفقها ملوك الدولة القديمة علي تشييد الأهرامات والمعابد والمقابر والتماثيل أدت إلى إرهاق كاهل الشعب والتى كانت من أهم أسباب قيام الثورة .
الأحوال الإجتماعية :- ضعف الملوك ومن ثم ضعفت السلطة المركزية واستفحل خطر حكام الأقاليم فأحكموا قبضتهم على المناطق التابعة لإدارتهم وأثقلوا الشعب بالضرائب وسوء المعاملة ، كذلك فقدان الأمن وعجزت البلاد عن التصدى لأى خطر داخلى أو خارجى .
الأحوال النفسية :- بسبب ماسبق ذكره شعر الناس بالقهر والظلم وشعرت الطبقة المريضة بالحرمان ، ففى الوقت الذى يُحرمون فيه من أبسط حقوقهم يجدوا الحاكم يستأثر بكل شيء لاسيما كل ماهو ذات قيمة .

 

ومن أهم النتائج التى ترتبت على هذا العصر :-
1- تغيرت نظرة الشعب للملك باعتباره بشر وليس من سليل الآلهة .
2- بدأ تطبيق مبدأ العدالة الإجتماعية بين الناس وأحقيتهم فى تولى الوظائف المرموقة فى المجتمع وعدم إعتبارها وظائف وراثية قاصرة على الطبقة العليا فقط وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص .
3- الإلتزام بتطبيق القانون والتحذير من مخالفته .
4- بداية التعبير عما يضيق به عامة الشعب وتدخلهم فى تحديد الشروط الواجب توافرها فى الحاكم الذى يتربع على العرش .

ولكن ظهرت بعض النتائج السلبية مثل :-
1- إنتشار حالة من الفوضى وفقدان الأمن والإستقرار .
2- إنتشار أعمال السلب والنهب والتدمير والتخريب .
3- تفشى الأمراض نتيجة لسوء التغذية .
4- إنتشار السحر وأعمال الشعوذة مما قلل من مكاسب الثورة الإيجابية .

عصر الإنتقال الأول
لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الرابع)

 

عصر الدولة الوسطى

وامتد فى الفترة ( 2160 – 1785ق.م ) وشمل الأسرتين 11 ، 12 وكان أهم ملوكها ( منتوحتب الأولانتف الأولانتف الثانىانتف الثالثمنتوحتب الثانىمنتوحتب الثالثمنتوحتب الرابعأمنمحات الأولسنوسرت الأولأمنمحات الثانىسنوسرت الثانىسنوسرت الثالثأمنمحات الثالثأمنمحات الرابع نفرو سوبك ) ..
يبدأ عصر الدولة الوسطى باستجماع طيبة لقوتها وإصرارها على إعادة تجميع البلاد وتوحيدها من جديد ولذا بدأت بمهادنة البيت الإهناسى ، وبدأ عصر هذه الدولة بملوك الأسرة 11 وتنبغى الإشارة إلى أن الملوك الأربعة الأوائل من هذه الأسرة فى طيبة عاصروا الأسرة العاشرة فى إهناسيا ، وقد قام صراع بين البيت الطيبى بقيادة “انتف الثانى” وبين البيت الإناسى بقيادة “واح-كا-رع” ووجدت العديد من الأدلة الأثرية التى تؤكد إنتصارات طيبة على إهناسيا ..

أما عن الملك “نب-حبت-رع” (منتوحتب الأول) فقد نجح فى وضع حد لهذا الصراع وتوحيد مصر وإسقاط إهناسيا ، كما اتخذ عدة ألقاب أشارت إلى قوته وهيمنته على الأرضين ، كما تمتع بشيءٍ من التقديس والإكبار عند معاصريه وخلفاؤه ، كذلك إنتهج سياسة داخلية وخارجية حكيمة ركّز سلطان الحكم فيها فى عاصمته ووضع حد لمشكلة إستفحال سلطة حكام الأقاليم ، كما إهتم بالموارد فى الصحراء الشرقية والغربية وتأمين طرقهم والتوسع فى بلاد النوبة وبلاد بونت ، أما عن أعماله المعمارية فقد شيّد معبد بمنطقة الدير البحرى ..

عصر الإنتقال الأول
لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الرابع)

 

أما الملك “منتوحتب الثانى” فخلف سلفه “انتف الثالث” وكان قد حكم لمدة 12 عام ساد فيهم السلام والرخاء حيث إتبع سياسة القوة واللين فى الوقت نفسه ، ومن أعماله أنشأ منصب “حاكم الشمال” وأعاد منصب “الوزير” واتخذ لقب “سما-تاوى” أى الذى وحّد الأرضين ؛ كذلك واصل إرسال الحملات التجارية لبلاد التمحو والتحنو (ليبيا) ، كما حفر حوالى 15 بئرًا لتزويد البعثات بما تحتاجه من الماء ..

أما الملك “منتوحتب الثالث” فكان طاعناً فى السن لذا إقتصر حكمه على 12 عاماً فقط إهتم فيهم ببرنامج العمارة الدينية فى الكاب ةأبيدوس وأرمنت وطيبة ، فكرّس فى طيبة معبداً للمعبود “تحوت” وأقام لنفسه مقبرةً بمنطقة الدير البحرى ولكنه توفى قبل إستكمالها ..

عصر الإنتقال الأول
لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الرابع)

 

وهنا تنهى الأسرة الحادية عشر لتبدأ الأسرة الثانية عشر والذى يفتتحها الملك “أمنمحات الأول” والذى إختلفت آراء العلماء حوله وحول الطريقة التى تولى بها العرش ، ولكنه آثَرَ أن لا يقيم فى أى عاصمة موجودة بالفعل ووقع إختياره على مدينة “أثت تاوى” كموقع وسط بين الصعيد والدلتا ، وبالقرب منها شيّد هرمه المبنى من اللبِن المكسو بالحجر ، ومن أعماله المشهود لها أنه أعاد العمل بنظام التجنيد العسكرى ..

عصر الإنتقال الأول
لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الرابع)

 

أما الملك “سنوسرت الأول” فقد شارك أبيه الملك “أمنمحات الأول” خلال السنوات العشر الأخيرة من حكمه ، ولكن بعد المؤامرة التى دُبرت لمقتل أبيه عاد من ليبيا ليتولى مهمة التحقيق فى الأمر ، وقد واصل سنوسرت السياسة الخارجية التى إختطها لنفسه كما فرض سيطرته على النوبة حتى الجندل الثالث حتى وصلت جهوده إلى سوريا وفلسطين وأوجاريت ، كما استغل مناجم الذهب بالصحراء الشرقية وأعمال المحاجر فى وادى الحمامات ، كذلك توسع فى مجال البناء والتشييد ..
إلى أن جاء الملك “أمنمحات الثانى” وشارك والده عامين فى الحكم كانت قد لعبت مصر فيهم دورًا بارزًا فى تشكيل تاريخ منطقة الشرق الأدنى القديم ، كما سمحت له الظروف بالإشراف المباشر على حكام الأقاليم واستئصال شأفتهم ..

عصر الإنتقال الأول
لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الرابع)

 

أما الملك “سنوسرت الثانى” فقد شارك والده فى الحكم خمس سنوات وكان أهم مايميز حكمه هو ذلك النشاط الكبير فى مجال إستصلاح الأراضى بإقليم الفيوم ، كما أعدّ بحر يوسف حتى يكون صالحًا للملاحة وألحق به نظامًا للرى والصرف لاسيما بعد أن شيّد سدًا عند اللاهون ، وقد قام الملك “أمنمحات الثالث” باستكمال هذا المشروع ..
أما الملك “سنوسرت الثالث “ فقد واجه مشكلة عند توليه العرش وهي مشكلة الإقطاعات المحلية لاسيما بعد أن إستفحلت قوتها وسلطتها واستأثرت فى بعض الأحيان بسلطة الملك والدليل على ذلك البذخ الواضح فى مقابر بنى حسن والنشاط المعمارى فى حتنوب ، ويعد عصر الملك سنوسرت الثالث من أزهى عصور الدولة الوسطى ، حيث أصدر قرار بإلغاء منصب حاكم الإقليم بدون أى شروط ، كما أدخل تعديلات على سلطات الوزير فأصبح الوزير يشرف على 3 وزارات إحداهن للشمال وأخرى للجنوب والثالثة لإليفنتين والنوبة السفلى ، وقد أدى هذا الإصلاح إلى صعود أفراد الطبقة الوسطى فى مقابل إضعاف جانب الأشراف ، كما نجح هذا الملك فى صد هجمات أهالى النوبة من خلال شق قناة فى صخور الجندل الأول لتسهيل الوصول لبلاد النوبة ، وزيادة فى حماية مصر قام بتشييد 8 قلاع فى المنطقة مابين سمنة وبوهن بالإضافة لتأمين حدود مصر الشمالية الشرقية ..

عصر الإنتقال الأول
لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الرابع)

 

وتبع الملك سنوسرت الثالث إبنه الملك “أمنمحات الثالث” والذى إهتم بتأمين حدود مصر الخارجية وبأعمال المناجم والمحاجر ، كما اهتم بتنظيم مياه الرى والإفادة من فيضان نهرالنيل ، كذلك شيد هرمًا لنفسه بدهشور ومعبد جنائزى والذى سُمى فيما بعد بقصر اللابيرانث (قصر التيه) ..
وتنتهى هذه الأسرة باعتلاء الملك “أمنمحات الرابع” عرش البلاد ومن ثم تبعته الملكة “نفرو سوبك” والتى حكمت لمدة عامين ؛ والملاحظ أنه طوال فترة عصر الدولة الوسطى نجد الجيش المصرى وجّه جل جهوده نحو بلاد النوبة ووقف هجماتها ضد الإدارة المصرية .

عصر الإنتقال الأول
لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الرابع)

 

ونستكمل سطورنا فى الأسبوع القادم إن شاء الله

دُمتم بخير

إقرأ أيضاً :-

لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الثالث)

لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الثانى)

لمحة حضارية فى سطورٍ تاريخية (الجزء الأول)

قد يعجبك ايضآ