عالم السحر والسحرة فى مصر القديمة

198

بقلم/ميرنا محمد.

وصف المولى عز وجل في كتابه الكريم السحر عند القدماء بأنه عظيم! نعم كان السحر علمًا أو فلنقُل فنًّا من فنون القدماء والحضارة المصرية القديمة وإلى يومنا هذا تم تأليف عشرات الكتب عن «السحر عند القدماء المصريين» فهذا العنوان تجده على مؤلفات بالعربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من اللغات كثير ولكن إلى الآن لم نجد من يشرح لنا طبيعة أو ماهية السحر عند القدماء
إن السحر بدأ في مصر القديمة منذ عصور سحيقة سبقت معرفتهم للكتابة التي عرفوها قبل 6000 سنة وإذا كنا لا نعرف اسم الساحر المصري الأول فيمكننا القول إن طبقة معينة من الكهنة يطلق عليهم اسم الكهنة المرتلين أو «غريو حب» باللغة المصرية القديمة هم من اختصوا بممارسة السحر أما عن طبيعة وماهية السحر فلم يكن مجرد طقوس وهمية للتأثير على المشاهد وإيهامه بأمور ليس لها وجود بل بالفعل وصل السحرة القدماء إلى معرفة بعلوم ما بعد الطبيعة أو الميتافيزيقا.

وقد ذاع صيت السحرة المصريين قديما بين الشعوب المجاورة كافة حيث كان المصريون يمارسون السحر فى شؤون حياتهم بجانب عبادتهم للآلهة وحماية الإنسان من الشياطين ولذلك فالساحر المصري كان مثقفا وضليعا فى علوم الدين والسحر والأدب والفيزياء ولا يعرف استخدام السحر الأسود كما يفعل سحرة اليوم الجهلاء ولذلك ظل عالم السحر والسحرة فى مصر القديمة خالدا عبر كل الأزمنة

تمكن السحرة من استجلاب قوى خفية توجد حولنا وفي الأشياء سواء الجماد أو الحي وكان التحكم بقوى ما بعد الطبيعة علما سرّيا لم ينقله السحرة إلا بشروط وعهود ومواثيق ولم يكن في استطاعة أي شخص أن يكون ساحر

أولا نعرف شروط انتقاء السحرة وإن كنا نعرف أنهم تعلموا بالمعابد

وكان الدمية تستخدم في السحر عند المصريين القدماء أى ان الساحر كان إذا أراد ان يؤذى بالسحر أحدا صنع له دمية ووخزها بالابر أو أحرقها وبذلك يشعر من يراد إصابته بالسحر بهذا الأذى وهذه العملية معروفة في الفرنسية باسم envotement فكان الساحر إذا وخز عين الدمية بأبرة مثلا فقد أشعر من يريد أذاؤه بأنه وخزة كما وخزها وورد في النصوص المصرية القديمة ان بعض السحرة أجروا عملهم هذا على الملك (رمسيس الثالث) إلا أن أمرهم أكتشف وقبض عليهم

(تحويل الجماد إلى كائن حي مفترس)

ففي قصة مثيرة نجد كاهنا مصريا يكتشف خيانة زوجته له مع شاب فتي فما كان منه إلا أن صنع تمساحا صغيرا من الشمع وانتظر حتى نزل الشاب إلى المسبح ليغتسل فألقى الكاهن تمساح الشمع في المسبح وقرأ عليه تعويذته السحرية فتحول التمساح الشمعي إلى تمساح مفترس فتك بالعاشق
إن المقابر الموجودة بمنطقة الهرم وسقارة التي تعود إلى الدولة القديمةأي إلى ما يقرب من 4500 سنةهناك نجد نقوشا هيروغليفية من لعنات وتهديدات على جدران ومداخل المقابر وقد كُتبت هذه اللعنات رغبة من المتوفى في إبعاد اللصوص عن هذه المقابر حفاظا على الجسد المحنط الذي تتعرف عليه الروح من جديد في العالم الآخر فكان السحر وسيلة دفاع فعالة عن المقبرة وكنوزها وقد كشفت عن مقبرة لأحد الفنانين ويدعى «بتتي» داخل مقابر العمال بناة الأهرام وقد بنى هذه المقبرة من الطوب اللبِن له ولزَوجته.
وفي مقصورة هذه المقبرة يوجد نقشان سحريان مختلفان واحد لـ«تتي» والآخر لزَوجته أما النص فيقول: «يا كل الناس كاهن الإلهة حاتحور سيضرب كل من يدخل هذه المقبرة ليمسها بضر وكل من يفعل شيئا ضدها سوف تلتهمه التماسيح وتفترسه أفراس النهر في المياه والثعابين والأسود في الأرض» وهناك مقبرة أخرى بسقارة على مدخلها نقش يقول فيه صاحبها: «كل من يمس مقبرتي بسوء سوف أنتزع رقبته مثل الإوزة» ومن أجمل ما عثر عليه هو أن مدخل أحد المقابر عثر به على شخص واقف وفي يده عصا كبيرة يشير إلى ضرب أي شخص سوف يؤذي المقبرة.

(أشهر قصص السحر والسحرة)

بردية «خوفو والسحرة»، عندما جاء ابن الملك خوفو (صاحب الهرم الأكبر) بالساحر «جدي» الذي كان يعيش في مدينة «حد سنفرو» ويبلغ من العمر مائة عام، وسأله خوفو عن حقيقة ما سمعه أن «جدي» يمكن أن يقطع رأس إنسان ويعيدها مرة أخرى وأجاب الساحر بنعم وطلب منه الملك أن يفعل ذلك فرفض الساحر وقال: «أنا لا أفعل ذلك في إنسان»، وقال الملك: «سوف أحضر سجينا»، وقال الساحر: «إن السجين إنسان»، ولذلك أحضر له إوزة وطارت رقبتها في السماء وسط دهشة الحاضرين ثم أعاد رقبة الإوزة مرة أخرى لتجري أمام الحاضرين.

(شهرة الساحر المصري)

إن عشرات الرَّحالة القدماء أسهبوا فى الحديث عن شهرة السحر وبراعة السحرة المصريين فى الحضارة المصرية القديمة أكثر من غيرها فى كل الحضارات الأخرى لدرجة أنه ذاع صيت السحرة المصريين بين الشعوب المجاورة كافة آنذاك وكان المصريون القدماء يمارسون السحر فى شؤون حياتهم كافة وفى أنحاء المجتمع المصرى كافة بدءا من أكواخ الفلاحين والصيادين البسطاء وانتهاء بالمعابد والقصور الملكيه ولذلك تحتوى المواقع الأثرية فى مصر خصوصا على ضفاف النيل على تمائم وتعاويذ ورسومات وتماثيل حتى للساحرات وقد عثر عليها الباحثون أخيرا فى أقصى أعماق قرى الصعيد وقد أشارت الكتب السماوية جميعاً إلى السحر المصرى بإعتباره نوعاً من الإيهام وكما يذكر الباحث إيڨان كونج فى كتابه المترجم إلى العربية (السحر والسحرة عند الفراعنة) أن السحرة المصريين قديما يستخدمونه فى حماية مصر من أعدائها وفيضان النيل بوفرة والوقاية من الشياطين والقوى الشريرة التى تصور القدماء أنها تتربص بهم ولذلك كان الفلاح إلى جانب أدائه الصلاة للإله لكى ينعم عليه بمحصول زراعى وفير يعلق فى رقبته التمائم والتعاويذ لاتقاء شر الشياطين وحتى الطبيب فى مصر القديمة كان يصف العلاج للمريض ولكنه يمنحه تعويذة لحمايته من القوى الشريرة التى تسلط عليه المرض وفى هذا الصدد يذكر فانج فى كتابه أن الحكيم (مرى كارع) يقول فى تعاليمه: (لقد خلق السحر من أجل الناس حتى يبعد عنهم نوائب الدهر والتأمين والدفاع ضد أى اعتداء ظاهر أو خفى ومن أجل الشفاء.

(إستمرار السحر إلى يومنا هذا)

إن سر بقاء السحر إلى الآن إستمرار الإنسان مؤمنا بالسحر وبقاء مظاهر السحر إن منطق الإنسان نفسه وسلامة تفكيره الذهنى ومدى مسايرته للتقدم العصرى كما أن من بين هذه الأسباب شخصية الساحر نفسه ومدى امتلاكه الدهاء والمهارة في انتهاز الفرص للقيام بعمله السحرى أن مظاهر السحر فى حياة الناس حتى الآن هى طبيعة الإنسان التى تقوم على حب التوغل فيما وراء الطبيعة فضلا عن أن الكتب السماوية امتلأت بسرد قصص من السحر وتحدثت عن شجرة الخلود التى كانت حسب تفسير التوراة لها أنها تكسب آكلى ثمارها الخلود وقد استغل بعض الكهان تلك الملابسات وشجعوا الناس على الإيمان بها ولذلك فإن أغلب السحرة فى مصر القديمة كانوا من النوع اللاهوتى أو الكهنى وكانت وسائلهم السحرية المحضة هى الطلاسم والأحجبة والتعاويذ واستعمال المواد الغريبة كشعر التيس ومخلفات فرس البحر والتماسيح وكان يتم النظر إلى المرض على أنه من فعل روح شريرة دخلت جسم الإنسان ومن هنا يركِّز الساحر سحره على خروج هذه الروح الشريرة من خلال أوامره بالخروج ولا يستخدم وسيلة ضرب جسد المريض بالعصا حتى موت الضحية كما يفعل الدجالون اليوم فيخاطب الروح الشريرة قائلا: اخرجى يا كاسرة العظام يا متسللة إلى الشرايين وأحيانا يلجأ الساحر إلى طرد هذه الروح الشريرة من الجسد بالتوسّل إلى الآلهة فيقول: السلام عليك يا حورس يا أيها الموجود فى بلد المئات يا حاد القرنين يا بالغ الهدف إنى قصدتك لأمدح جمالك ألا فلتقض على الشيطان الذى يتملك هذا الجسد.

أن السحر عند المصريين القدماء فكان بمثابة علم مستمد من المعارف والكتب وكان الساحر المصرى القديم مثقفا ثقافة رفيعة المستوى ويمتلك معارف واسعة المدى فى العديد من المجالات الأدبية والدينية والفيزيائية والسحرية.
– المراجعة اللغوية: ناريمان حامد.

إقرأ أيضًا:-

الجيش والشرطة في مصر القديمة 

لغز اختفاء جيش ال 50 ألف جندي

قد يعجبك ايضآ