حكاية عمر المختار فى القاهرة

144

بقلم : عبدالعزيز مصطفى

 

قبل 99 عام من الآن وتحديدا فى العام 1922 و بعد أتمام الأتحاد بين كافة القبائل الليبية وإعلانهم الجهاد المسلح ضد الطليان الذين دخلوا البلاد طامعين فى حدود امبراطوريتهم التي تلاشت فى غابر الزمان ، طلب الشريف السنوسى من قادة المقاومة السفر إلى مصر للعلاج ثم و بعد ذلك من نفس العام لحقة أمير المجاهدين ، عمر المختار في شهر مارس سنة 1923 إلى مصر بصحبة علي باشا العبيدي ليعرض على الأمير محمد إدريس نتيجة عمله فى الجبل الأخضر و خططه للهجوم على القواعد الإيطالية داخل الأراضى الليبية ويتلقى منه التوجيهات اللازمة ..

القبائل الليبية
حكاية عمر المختار فى القاهرة

الدخول إلى مصر

إستطاع أمير المجاهدين عمر المختار في عدة أيام اجتياز الحدود المصرية وتمكن من مقابلة الأمير إدريس بحى مصر الجديدة التى كانت مقر إقامة الأمير و بعض من أهلة الذين سبقوه إلى مصر ، وفي مصر جاءته جماعة من قبيلة المنفة وهي قبيلته التي ينتمي إليها، وكانوا قد أقاموا بمصرو سكنوها قبل أعوام طوال ، و قد أتوا يومهما لغرض الترحيب به، فاستفسر المختار قبل أن يأذن لهم بذلك عما إذا كانوا قد سعوا لمقابلة الأمير عند حضوره إلى مصر، فلما أجاب هؤلاء بالنفي معتذرين بأن أسبابًا عائليَّة قهرية منعتهم من تأدية هذا الواجب رفض المختار مقابلتهم وقال أنَّه لن يُقابل أناسٌ تركوا شيخه الذي هو ولي نعمته وسبب خيره، وهددهم بالقطيعة ، فما إن بلغ الأمير إدريس مافعله عمر المختار مع من جاء إليه من أبناء قبيلته حتى أصدر امره بمقابلتهم فامتثل المختار لأمره ، حاولت إيطاليا بواسطة عملائها بمصر الاتصال بعمر المختار وعرضت عليه بأنها سوف تقدم له مساعدة إذا ما تعهد باتخاذ سكنه في مدينة بنغازي أو المرج، وملازمة بيته تحت رعاية وعطف إيطاليا، وأن حكومة روما مستعدة بأن تجعل من عمر المختار الشخصية الأولى في ليبيا كلها وتتلاشى أمامه جميع الشخصيات الكبيرة التي تتمتع بمكانتها عند إيطاليا في طرابلس الغرب وبنغازي، وإذا ما أراد البقاء في مصر فما عليه إلا أن يتعهد بأن يكون لاجئًا ويقطع علاقته بإدريس السنوسي، وفي هذه الحالة تتعهد حكومة روما بان توفر له راتبًا ضخمًا يمكنهّ من حياة رغدة، وهي على استعداد أن يكون الاتفاق بصورة سرية وتوفير الضمانات لعمر المختار ويتم كل شيء بدون ضجيج تطمينًا لعمر المختار وقد طلبت منه نصح الأهالي بالإقلاع عن فكرة القيام في وجه إيطاليا ، وقد كرر الإيطاليون عرضهم على عمر المختار عدَّة مرّات حتى بعد خروجه من مصر وعودته إلى برقة لكنه كان يرفض في كل مرة ويُصرّ على الجهاد وقتال المحتل الأجنبي. كان المختار قد اتفق مع الأمير إدريس أثناء وجوده في مصر على تفاصيل الخطة التي يجب أن يتبعها المجاهدون في قتالهم الطليان على أساس تشكيل المعسكرات، واختيار القيادة الصالحة لهذه الأدوار، وأن تظل القيادة العليا من نصيب عمر المختار نفسه، وزوده الأمير بكتاب يتضمَّن هذا المعنى، وتمَّ الاتفاق على بقاء الأمير في مصر ليقود العمل السياسي، ويهتم بأمر المهاجرين ويضغط على الحكومة المصريَّة والبريطانيَّة بالسماح للمجاهدين بالالتجاء إلى مصر، ويشرف على إمداد المجاهدين بكل المساعدات الممكنة من مصر، ويرسل الإرشادات والتعليمات اللازمة إلى عمر المختار في الجبل، واتُفق على أن يكون الحاج التواتي البرعصي حلقة الوصل بين الأمير وقائد الجهاد، وبعد ذلك الاتفاق غادر عمر المختار القاهرة إلى السلّوم ف برقة ثم داخل ليبيا ..

القبائل الليبية
حكاية عمر المختار فى القاهرة

عودة المختار المنشودة

عاد المختار إلى ليبيا فكان وقتها العدو فى أنتظاره فى برقة و منطقة الجبل الأخضر ب سبع مصفحات و لتكون أول معاركها الضارية ضد الإيطاليين بعد عودته من مصر و أتحاد القبائل الليبية على كلمة رجل واحد ، ليستمر بعدها عمر المختار و قواته فى دحر قوات الأحتلال رغم قلة العدد و العتاد المتوفر لهم .. وظل الأمر على هذا النحو حتى أستشهاد المختار على حبل مشنقة محتلي أراضيها بدعوى مقاومة الحكم الإيطالي لليبيا في العام 1931 وقد رثاه عدد من الكتاب والصحفيين المصريين المعاصرين للمختار حينها
و من بينهم رثاء أمير الشعراء أحمد شوقى ..

رَكَـزُوا رُفـاتَكَ فـي الرّمـال لِـواءَ
يَســتنــهضُ الــوادي صبـاحَ مَســاءَ
يـا وَيْحَـهم! نصبوا مَنـارًا مـن دمٍ
تُوحِـــي إِلـى جــيــل الغـــدِ البَغْضـاءَ
مـا ضـرَّ لـو جَـعلوا العَلاقَة في غدٍ
بيـــن الشــعــوب مَــــوَدَّةً وإِخــــاءَ؟
جُـرْحٌ يَصيـحُ عـلى المدَى, وضَحِيَّةٌ
تـــتـــلمَّــسُ الحـــريَّـــــةَ الحــــمراءَ
يأَيُّهــا الســيفُ المجــرَّدُ بـالفَلا
يكسـو السـيوفَ عـلى الزمان مَضاءَ
تلــك الصحـارى غِمْـدُ كـلِّ مُهَنِّـدٍ
أَبْــــلَى فأَحســنَ فـي العــــدوِّ بَــــلاءَ
وقبــورُ مَـوْتَى مـن شـبابِ أُمَيَّـةٍ
وكــهــولِـهـم لــم يبـْرَحُــــوا أَحيـــاءَ
لــو لاذَ بــالجوزاءِ منهـم معقِـل
دخــــول عــلى أَبــراجِــهـا الجـوزاءَ
فتحــوا الشَّــمالَ: سُـهولَهُ وجبالَـهُ
وتوغَّـلــوا, فاســتعمروا الخـــضراءَ
وبَنَــوْا حضـارتَهم, فطَـاوَلَ ركنُهـا
(دَارَ الســــلامِ), و(جِــلَّقَ) الشَّـــمّاءَ
خُـيِّرْتَ فـاخْتَرْتَ المبيـتَ على الطَّوَى
لـــم تَبْــــنِ جــاهًــــا, أَو تَلُـــمَّ ثَــراءَ
إِنَّ البطولــةَ أَن تمـوتَ مـن الظَّمـا
لــيس البطولـــةُ أَن تَعُــــبَّ المـــــاءَ
إِفريقِيــا مَهْــدُ الأُســودِ ولَحْدُهـا
ضــجَّــــتْ عليــكَ أَراجـــلاً ونســــاءَ
المسـلمون عـلى اخـتلافِ ديـارِهم
لا يملِــكـون مـــعَ الـمُصَــابِ عَـــزاءَ
والجاهليــةُ مــن وَراءِ قُبــورِهم
يبــكــون زَيْــــدَ الخــيل والفَلْــحـــاءَ
فــي ذِمَّــة اللـهِ الكـريمِ وحفظِـه
جَسَــدٌ (ببـــرْقة) وُسِّــــدَ الصحــراءَ
لـم تُبْـقِ منـه رَحَـى الوقـائِع أَعظُمًا
تَبْــــلَى, ولــم تُبْـــقِ الرِّمـاحُ دِمـــاءَ
كَرُفــاتِ نَسْــرٍ أَو بَقِيَّــةِ ضَيْغَـمٍ
باتـــــا وراءَ السَّـــافيــاتِ هَـــبـــــاءَ
بطـلُ البَـداوةِ لـم يكـن يَغْـزو على
“تَنْكٍ”, ولــم يَـــكُ يـركبُ الأَجــواءَ
لكــنْ أَخـو خَـيْلٍ حَـمَى صَهَواتِهـا
وأَدَارَ مـــــن أَعــرافــهــا الهيجــــاءَ
لَبَّــى قضـاءَ الأَرضِ أَمِس بمُهْجَـةٍ
لـــم تخْــــشَ إِلاَّ للســــماءِ قَضــــاءَ
وافــاهُ مَرْفــوعَ الجــبينِ كأَنــه
سُــقْـراطُ جَــــرَّ إِلــى القُضـــاةِ رِداءَ
شَــيْخٌ تَمــالَكَ سِــنَّهُ لـم ينفجـرْ
كـالطفل مـــن خـوفِ العِقـابِ بُكــــاءَ
وأَخــو أُمـورٍ عـاشَ فـي سَـرَّائها
فتغــــــــيَّرَتْ, فتــــــوقَّع الضَّــــــراءَ
الأُسْـدُ تـزأَرُ فـي الحـديدِ ولـن ترى
في السِّجنِ ضِرْغامًـا بكى اسْتِخْــذاءَ
وأَتــى الأَسـيرُ يَجُـرُّ ثِقْـلَ حَـديدِهِ
أَسَـــــدٌ يُجَـــــرِّرُ حَيَّــةً رَقْطــــــــــاءَ
عَضَّــتْ بسـاقَيْهِ القُيـودُ فلـم يَنُـؤْ
ومَشَــــتْ بهَيْكلــه السّــنون فنـــــاءَ
تِسْـعُونَ لـو رَكِـبَتْ مَنـاكِبَ شـاهقٍ
لترجَّــــــــلَتْ هَضَباتُـــه إِعيــــــــــاءَ
خَـفِيَتْ عـن القـاضي, وفات نَصِيبُها
مــن رِفْــق جُــــــنْدٍ قـــادةً نُبَـــــــلاءَ
والسِّـنُّ تَعْصِـفُ كُـلَّ قَلْـبِ مُهَـذَّبٍ
َــرَفَ الجُـــــــدودَ, وأَدرَكَ الآبــــــاءَ
دفعــوا إِلـى الجـلاَّدِ أَغلَـبَ مـاجدًا
يأْسُـــو الجِــــراحَ, ويُطلِق الأُسَــراءَ
ويُشــاطرُ الأَقــرانَ ذُخْـرَ سِـلاحِهِ
ويَصُــــفُّ حَــوْلَ خِوانِــــه الأَعـــداءَ
وتخــيَّروا الحــبلَ المَهيــنَ مَنيّـةً
للَّيْــثِ يلفِــــــظ حَوْلَــهُ الحَوْبــــــــاءَ
حَـرموا الممـاتَ عـلى الصَّوارِم والقَنا
مَـنْ كــــان يُعْطِــي الطَّعْنَـةَ النَّجْــلاءَ
إِنـي رأَيـتُ يَـدَ الحضـارةِ أُولِعَـتْ
بـــالـــحقِّ هــَدْمــا تــارةً وبِنـــــــــاءَ
شـرَعَتْ حُـقوقَ النـاسِ فـي أَوطانِهم
إِلاَّ أُبــــــاةَ الضَّيْـــــمِ والضُّعَفــــــــاءَ
يــا أَيُّهَـا الشـعبُ القـريبُ, أَسـامعٌ
فـأَصـــوغَ فـي عُمَـــرَ الشَّـهِيدِ رِثاءَ؟
أَم أَلْجَـمَتْ فـاكَ الخُـطوبُ وحَـرَّمت
أُذنَيْــكَذهــب الـزعيمُ وأَنـتَ بـاقٍ خـالدٌ

فــانقُد رِجـــالَك, واخْـــتَرِ الزُّعَمـــاءَ
وأَرِحْ شـيوخَكَ مـن تكـاليفِ الـوَغَى

واحْــــمِلْ عــلى فِتْــيـانِكَ الأَعْبــــــاء حــــينَ تُخــاطِبُ الإِصْغــــاءَ؟

و بعدها ظلت المقاومة حتى وقت التحرر فى وقت لاحق عن كامل ليبيا فى العام 1951 ثم ألغاء أنظمة التبعية لدول أخرى فى ستينات القرن الماضى ..

مصادر المقال

كتاب الشيخ الجليل عمر المختار (ل) د/ على محمد الصلابى ..
كتاب عمر المختار و رجالة (ل) د/ عصام عبدالفتاح ..

 

 

إقرأ أيضًا :-
القصبجي الهارب من الألم للألم

إيلي كوهين

قد يعجبك ايضآ