عُيون دبّت فيها الحياة

عُيون دبّت فيها الحياة

بقلم الباحثة والكاتبة الأثرية: ندى محمود غريب .

 

عند رؤيتنا لبعض التماثيل المشهورة وخاصة تلك المعروضة بالمتحف المصرى نقف أمامهم فى ذهول تام !! كيف نُحتت هذه الأعين ؟؟ كيف تم تركيبها بتفاصيلها التشريحية  ؟؟ وكيف أتقنت إلى هذا لحد لتظهر أمامنا برَّاقة لامعة وكأنهم أشخاص أحياء يكادوا ينطقون ؟!!

كعادة الفنان المصرى القديم والذى إتسم نحته بالإتقان وجودة الصناعة ، فقد إستخدم الترصيع بالعيون فى التوابيت والمومياوات وأقنعتها وفى التماثيل الصغيرة ، ولكن ليس هناك دليل على أنهم إستخدموا العيون الصناعية للأحياء ، على أن الدكتور مترى A. Motry  قام بوصف عيناً خاصة فى متحف University College بلندن ، فذكر أن شكل العين وحجمها وكذلك العناية بجعل حافتها مستديرة تدل على أنها كانت للأحياء ، إذ أن العيون المستخدمة فى التماثيل والتوابيت لها حواف حادة وتختلف إختلافاً كلياً عن هذه العين ؛ فإذا لوحظ أن هذه العين مصنوعة من قطعة واحدة من الزجاج وأن مُقلتها ذات لون أبيض وبحافة زرقاء وأن حدقتها سوداء وليس بها قزحية ، فإن وجود هذه الحافة الزرقاء مع رداءة الصُنع ، كل ذلك يجعل من غير المحتمل أن تكون هذه العين قد قُصِد إستخدامها لشخص حي ، فهى لا تمثل أى عين إنسانية ، ولهذا يُرجح أن تكون قد أُخِذت من مومياء .. وقد بدأ ترصيع العيون فى مصر القديمة من بداية  عصر الدولة القديمة (الأسرات 36) ونظرًا لتطور الصناعات بعد ذلك أصبح الرخام والزجاج والبرونزيدخل فى ترصيع العيون ولم يعد الترصيع مقتصراً على الكوارتز والبللور الصخرى فقط ..

وبالنسبة لتفاصيل العين الإنسانية :-

1. الجفون :- وهى غطاء العيون وتتكون من غشاء متحرك ، ولكل عينٍ جفنان علوى وسفلى .

2. الأهداب :- وهى الشعر الذى ينبت على حافة الجفون (الرموش) .

3. المُقلة :- وهى كل جسم العين أى الكرة التى تشغل كل فراغ محجر العين ، أما بياض العين فهو الجزء الذى يمكن رؤيته من الغلاف الخارجى لمُقلة العين .

4. القرنية :- وهى المقدمة الدائرية للعين وتكون شفافة عديمة اللون حيث يدخل منها الضوء ودرجة تحدبها تزيد قليلاً عن درجة تحدب بقية المُقلة .

5. القزحية :- وهى الستارة الخلفية الملونة خلف القرنية والتى تتمدد وتنكمش مما يسبب إتساع حدقة العين أو إنكماشها .

6. الحدقة :- (بؤبؤ أو إنسان العين) وهى عبارة عن فتحة دائرية وسط القزحية وتظهر كأنها سوداء .

7. الماق :- وهى الزاوية التى تقع بين الجفنين العلوى والسفلى ، وعلى ذلك يكون لكل عينٍ ماقان .

عُيون دبّت فيها الحياة

وهنا سنتناول بعض التماثيل المرصعة والتى تجلت فيها عظمة الفنان المصرى القديم :-

تمثالى رع حوتب و نفرت :-

وصُنعا من الحجر الجيرى ومحفوظ حاليًا بالمتحف المصرى ، وفى رأيى الشخصى فأنا أعتبر هذا التمثال هو أيقونة المتحف نظرًا لجماله الفريد ولما يحتويه من سمات فنية غاية فى الروعة ، فنرى المدعو “رع-حوتب” جالسًا وبجواره زوجته الجميلة “نفرت” ، والتمثالين لم يُنحتا من كتلة واحدة بل أن كل تمثال منهما منفصل عن الآخر كوحدة فنية منفصلة بذاتها ، وهنا نرى عيناهما المرصعتين بالنحاس والكوارتزوالبللور الصخرى فتظهران كأنهما طبيعية مما يضفى على الوجه حياة وقوة توحى بصدق التمثيل ويزيد فى ذلك جدتهما وبقاء ألوانهما .. ونظرًا للدرجة التى وصلت إليها حيوية تلك العيون ، أن العامل الذى كشف عنهما فى موقعهما ولىّ مذعورًا وتخيل أن الحياة دبَّت فى الموتى وأنهم هبُّوا يُحدقون بعيونهم القوية إلى ذلك الذى إجترأ مثواهم الأخير ..

المزيد من المشاركات
عُيون دبّت فيها الحياة

تمثال كا-عِبر :-

وصُنع من الخشب ويرجع للأسرة الخامسة وهو محفظ ايضَا بالمتحف المصرى ، وكان “كا-عِبر” كاهنًا وعُرف باسم “شيخ البلد” ، وهذه التسمية أطلقت عليه عندما إكتشفه عمال العالم الفرنسى “مارييت” ، فبُهِتوا للشبه الكبير بينه وبين شيخ قريتهم وقتئذ ، وجاءت عيناه مرصعتين بالكوارتز داخل إطار من النحاس يمثل جفن العين ، وفضل الفنان الحجر الجيرى لبياض العين والبللور الصخرى للقرنيتين ، وقام بوضع رأس دبوس من النحاس ليمثل إنسان العين ، مما جعل الوجه يبدو أكثر حيوية ..

عُيون دبّت فيها الحياة

تمثال الكاتب قاى :-

والذى تمت صناعته من الحجر الجيرى ولكنه محفوظاً بمتحف اللوفر بباريس ، ويمثل الكاتب “قاى” جالسًا فى وضع القرفصاء ، أما عن عيناه فوضعت داخل إطار من معدن النحاس كالمعتاد مما جعل الوجه أكثر توهجًا ..

عُيون دبّت فيها الحياة

تمثال الكاتب بالمتحف المصرى :-

وصُنع من الحجر الجيرى الملون ، ورُصِعت عيناه داخل إطار من النحاس ولكنه متآكل جدًا فى الوقت الحاضر ، وبياض العين من الكوارتز والقرنية من البللور الصخرى ، ولقد ذكر “ماسبيرو” عن هذا التمثال أن عينيه مصنوعتان من المرمر والبللور الموضين فى الجفون من النحاس ، وأن شظية من الأبنوس خلف البللور تمثل الحدقة – وهذا بعيد الإحتمال – فلا يوجد دليل عن مادة هذه الحدقة ، على أنه من المرجح جدًا أنها ليست من الأبنوس ولكن من الراتنج الذى أستخدم بعد ذلك فى عيون عصر الدولة الوسطى ..

كان ذلك بالنسبة لعيون التماثيل ، أما عيون المومياوات فلم يبدأ المصرى القديم فى ترصيع عيون المومياء إلا فى عصرٍ متأخر ، وطبقًا لما ذكره “إليوت سميث” و”وارين داوسن” فإنه قد أصبح هذا الترصيع شائع الإستخدام فى عصر الأسرة العشرين ، ومنهم مومياء الملكة “نجمت” ومومياء الملك “رمسيس الثالث” ..

المصادر:- ألفريد لوكاس، المواد والصناعات عند قدماء المصريين، (القاهرة 1991).

المراجعة اللغوية ل : ندى غريب

 

إقرأ أيضا:-

رحلة بنى إسرائيل إلى مصر الفرعونية (الجزء الأول)

رحلة بنى إسرائيل إلى مصر الفرعونية (الجزء الثانى)

تعليقات
جارى التحميل ...
Grandbetting - Bahis siteleri -

Meritroyalbet giriş