السحر باعتباره دينًا شعبيًّا ..من سلسلة تريتانوبيا عالم السحر العجيب ج٢

 

بقلم: دكتور هاني العناني الطبيب المتاجر مع الله

عند مناقشة الديانات الرئيسية في العالم، كثيرًا ما كان الدارسون يعتبرون وجود معتقدات السحر وممارساته في حياة الناس اليومية شكلًا من أشكال «التقاليد الصغيرة»، أو ديانة «شعبية»، وهذه المفردات في حد ذاتها إشكالية من حيث إنها يمكن أن تعطيَ انطباعًا زائفًا يشير إلى توافق في الآراء، وإلى أن الناس اعتنقوا نفس الأفكار والتفسيرات.
كما أنها يمكن أن تشير إلى وجود اختلافات في الطبقة أو في الطائفة، عندما تكون أشكال العبادة الدينية قيد البحث متوغلة في الواقع عبر عدة مستويات اجتماعية.
لكن المصطلحات رغم ذلك يمكن أن تساعد على تحديد مجموعات عامة من المعتقدات والممارسات التي تختلف مع اللاهوت الرسمي، أو تكون محط استنكاره، وإن كانت لا تعد منافية للدين أو آثمة في نظر من يعتنقونها.

وكما رأينا للتو، غالبًا ما كان المصلحون الدينيون يعتبرون السحر انحرافًا أو شكلًا مفسدًا للدين، ويتهمون جماعات دينية معينة بأنها مصدره، وكانت بعض السلطات تصف عناصر من الدين الشعبي بأنها بقايا الديانات التي كانت موجودة قبل اعتناق السكان للدين الجديد، ويمكن رؤية هذا في التاريخ المسيحي والإسلامي.
ففي أوروبا، وصفت الكنيسة الأولى السحر بأنه بقايا وثنية، وفي القرن التاسع عشر طوَّر علماء الأنثروبولوجيا الفكرة الجذابة التي تقول بأن العديد من الممارسات السحرية التي يمارسها الفلاحون الأوروبيون ليست سوى بقايا لديانات ما قبل التاريخ، حتى الممارسات غير الضارة كوضع حدوة حصان فوق باب المنزل كانت تفسَّر على أنها ممارسة شعائر «دينية» قديمة.
وباعتباره جزءًا من حملة ابن عبد الوهاب لفرض ما اعتقد أنه الشكل النقي «الأصيل» من الإسلام، صنف الإيمان بالسحر وممارسته على أنهما لون من «الشرك»، وهو مصطلح مرادف للاستخدام المسيحي لكلمة «وثني»، وقد كان عبد الوهاب وغيره من المصلحين غاضبين من استمرار المسلمين في استشارة السحرة، وعبادة الموتى والأشجار والصخور، وسعيهم لنيل شفاعة الأرواح، والتضحية بالحيوانات، وتدنيس النصوص المقدسة باستخدامها تمائم واحجبه، وكانت هذه التأثيرات غير الإسلامية تُعزى لبقاء ممارسات قديمة من عهد ما قبل الإسلام، ولبعض من اعتنقوا الإسلام الذين فشلوا في التجرد من معتقداتهم وأشكال عبادتهم السابقة، وكذلك لعناصر مفسدة مثل الصوفيين.
وقد كان مقدرًا للحركة الوهابية أن تمارس تأثيرًا كبيرًا على تشكيل المملكة العربية السعودية والمذهب الأصولي السني الإسلامي المعاصر.
وفي مصر، أعرب عالم الدين المتحرر والمفتي محمد عبده عن استيائه الشديد من انتشار الإيمان بالسحر بين المسلمين. وعلى الرغم من أن القرآن قد أقر بحقيقة السحر، نفى «عبده» في تفسيره لآيات القرآن وجود شيء من هذا القبيل، إذ يقول أن السحر إما خداع أو نتيجة لاستخدام أساليب لا يدركها المشاهدون.

وقد كان الهدف من هذا الشرح هو توضيح كيف يتشابك السحر بصورة معقدة مع تطور الدين فيما يمكن أن يوصف بأنه عملية تداوُل ثقافي.
فما يبدو من الخارج على أنه سحر، يشكل في نظر من خضعوا للدراسة أو أُدينوا بممارسته التطبيق المشروع والعملي للعبادة الدينية، والتوظيف اليومي للدين لأسباب أخرى غير التنوير الروحي أو الخلاص.
وكان هذا التوضيح من الضروري قبل خوضنا في الحديث عن أحد أهم مراجع السحر عبر العصور وهو المرجع المسمى شمس المعارف الكبرى ولطائف العوارف / لاحمد بن على البوني.

وقبل الخوض في الحديث عن هذا المرجع نود التعريف مسبقا بمؤلفة، وهذا قد يساعدنا في تقييم محتوى الكتاب من خلال معرفة خلفية الكاتب.

عن بن علي البوني

ولد أبو عبد الملك البوني في مدينة قرطبة ولم نعثر على تاريخ ميلاده الذي لم تحدده المصادر على كثرتها حوله، نشأ في كنف والده الذي كان يتقن الكثير من العلوم الدينية و الشرعية ، فحفظ على يديه القرآن الكريم، وعلمه الخط ، و بعض مبادئ اللغة العربية والعلوم الإسلامية والأحكام الدينية لكي يتهيأ لحياة علمية مكثفة ، و لما بلغ طور الطلب بتجاوز المرحلة الأولى ، أخذ في مجالسة الشيوخ و الاتصال بهم و ملاقاتهم في مدينة قرطبة التي كانت تعج بالعلماء و الشيوخ ، كما اشتهرت بكثرة المكتبات و دور العلم، ومن شيوخها الذين أخذ عنهم : أبو محمد الأصيلي، والقاضي أبي المطرف عبد الرحمن بن محمد ابن فطيس، و حسين بن محمد بن سلمون المسيلي ، وأبي عمر بن المكوي، وابن السندي، وابن العطار وغيرهم.

المزيد من المشاركات

ثم سافر إلى بلاد المغرب، فأخذ بعض المعرفة عن علماء مدينة تلمسان ، ومنها انتقل الى القيروان حيث اتصل بعالم المغرب المحدث المقرئ علي ابن محمد بن خلف المعافري القابسي ، كما لازم المحدث الفقيه أبو جعفر الداودي شارح صحيح البخاري مدة خمس سنين أخذ عنه معظم تآليفه، وبعد هذه الرحلة العلمية اتجه البوني صوب مدينة بونه ليستقر بها.
و هناك ببونة عقد مجالس التدريس و الرواية بمسجدها الجامع ، فقصده طلاب العلم من جميع النواحي ينهلون و يستفيدون من علمه، وقد اشتهر بحسن السيرة و السلوك ، و الزهد و الورع و الصلاح فكان أهل بونة يسمونه “سيدي مروان ” فهو عندهم في عداد أولياء الله الصالحين ، وهو الاسم الذي لا زال يطلقه أهلها إلى يومنا كما كان كثير الانقطاع والعبادة، وكان كثير التهجد والصيام، ويمسك عن الطعام في أكثر أوقاته، ويؤثر العزلة على مخالطة الناس، ويخرج في أغلب الأحيان إلى جبل (ماكوض) على البحر شرقي تونس على مسافة يومين منها فيقيم به،
ولم يكن له أولاد ولا أتباع لإعراضه عن ذلك.
كان يقال له: كندي الزمان، ويقال: أن الحروف تخاطبه فيعلم منها منافعها ومضارها.
وقد نقل الناس عنه أحوال عجيبة في المشي، والاختفاء عن الناس و الاحتجاب عنهم.
كان كثيرا ما يأتي بما يقترح عليه من الفواكه والخضروات في غير وقت أوانها، ويأتي إلى النساء الحوامل بهذه الفواكه والخضروات، ويقرع أبوابهن ليلاً ونهاراً، ويقول: خذوا شهواتكن لعل الله ينفعنا بسببكن.
وقد ترك البوني ما يقرب من 40 كتاباً، منها:
كتاب في الوعظ، يتداوله الناس في أفريقيا كما يتداولون كتب ابن الجوزي في المشرق.
شرح أسماء الله الحسنى في مجلدين كبيرين
كتاب اللمعة النورانية.
كتاب الأنماط.
كتاب السحر شمس المعارف الكبرى أو كما سنسميه هنا (تريتانوبيا)أو لمعة اللون الذهبي …وهو ما سيكون محور حديثنا القادم.

تريتانوبيا

شمس المعارف هو مؤلف يضم أعمال سحر تتعلق بالجن، وينسب تأليفه إلى أحمد بن على البوني.
ويحرم غالبية علماء المسلمين قراءته ، وقد تم طباعته حديثاً مع حذف وتحريف ببعض مواضيعه، ولكن ما يزال الكتاب يتناول العديد من أمور السحر الغير واضحة، ولقد طبع الجزء الأول منه وهو عبارة عن 577 صفحة في المكتبة الشعبية ببيروت عام 1985 بالإضافة إلى احتوائه على أربع رسائل في نهايته من تأليف عبد القادر الحسيني الأدهمي وهي على الترتيب:
1. ميزان العدل في مقاصد أحكام الرمل.
2. فواتح الرغائب في خصوصيات الكواكب.
3. زهر المروج في دلائل البروج.
4. لطائف الاشارة في خصائص بداية كتاب شمس المعارف الكبرى الذي يتعلق بالجن والسحر.
والكتاب ممنوع في كثير من الدول الإسلامية لما فيه من نصوص لتحضير الجن وهي أمور محرمة في الشريعة الإسلامية.

وقد أثار هذا الكتاب جدلاً واسعًا لا بسبب محتواه ولكن بسبب مصدر هذا المحتوى وهل هو من محض تأليف البوني أم أنه من تأليف الجن حيث أهداه أحد الجان للبوني بهدف إفساد حياة البشرية.
هذا الكتاب يحمل الكثير من المعرفة حول علم السحر والكثير من الخبايا وطرق الإتصال والتسخير والعلوم الروحانية بشكل بالغ الدقة بحيث إذا وقعت في يد خاطئة سيستحيل الأمر لكارثة على البشر لما فيه من وصفات يزعم أنها تجلب الرزق والأحباء والأزواج قد تؤذي مستخدمها كما تؤذي الأغيار من الناس.
كما يحوي هذا الكتاب على العديد من الرسوم والطلاسم التي تشرح كيفية تطبيق بعض الأعمال الروحانية والطرق التي يمكن إتباعها لعلاج وفك السحر وغيرها من الرموز التي لا يعرف أصلها أو فيم تستخدم أو مؤلفها الأصلي وينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام:
القسم الأول : أحكام العدل وإحكام الرمل.
القسم الثاني: عن الكواكب والأبراج.
القسم الثالث: دلائل البروج الإثني عشر.
القسم الرابع: الجن والمردة.

وفي ظل هذه الحيرة والتخبط والغموض المحيط بماهية مضمونه ومصدر هذا المضمون والغرض من تأليفه في الأساس سنحاول سرد ما يتوفر لنا من معلومات موثقة حول هذا العمل كما سنسرد قصص قد تأذت فعليا بسبب هذا الكتاب

إلى اللقاء في الجزء القادم.

 

اقرأ ايضا:-

 

الروح و الجسد في القرآن 

تعليقات
جارى التحميل ...
Grandbetting - Bahis siteleri -

Meritroyalbet giriş