مجدي يسى سارق الملكوت…قديس على حبل المشنقة

بقلم: بيمن خليل

إذا تم حساب الناس على ماضيهم لما كنا وجدنا قديسين، فالقديس إنسان يخطئ وأخطاؤه قد تفوق أخطاء البشر كلها، وجرائمه قد تكون أشد من جرائم المجرمين، بل ويوجد قديسين من أعظم قديسين الكنيسة كانوا أشد جرمًا قبل قداستهم، فيوجد مَن قتل ومَن زنى ومَن كفر ومن سرق مثال القديس الأنبا موسى الأسود الذي تلقبه الكنيسة بالقديس القويّ في الإيمان، ولكن عند قربهم من الله تبددت جرائمهم وصاروا من أعظم القديسين الذين سرقوا الملكوت، والذي تقتدي بهم الكنيسة وتقدس شخصياتهم وأعمالهم نحو الله.
ولكن ما لفتّ نظري شخص يدعى “مجدي يسى” حُكِم عليه بالإعدام لم يضعف ولم يخاف ولم يفقد أعصابه لحظة واحدة، بل تقدم نحو حبل المشنقة مبتسمًا وسعيدًا، كأنه ذاهب إلى رحلةٍ أو كأنه يوم عرسه، فتعجبت وقلت ما السبب الذي يجعل من إنسان في لحظة إعدامه أن يكون سعيدًا هكذا وهو مُقدم على موته بنفسه، فأنا أعلم أن كل مَن يقف أمام عشماوي ينهار ويفقد اتزانه النفسي وتخور قواه الجسدية مرعوبًا أمام الموت، فما السر إذًا فيما رأيته وفيما كتبت عنه الجرائد ورصدته لحظة بلحظة، مَن هو الإنسان الذي قادر أن يكون هكذا أمام الموت مبتسمًا وقويًّا، فما حكايته، وما السر وراء هذا؟

مجدي يسى سارق الملكوت...قديس على حبل المشنقة
مجدي يسى سارق الملكوت…قديس على حبل المشنقة

مَن هو مجدي يسى؟

مجدي يسى طالب جامعي متفوق في دراسته وكان في غاية الرقيّ والمحبة ومثال يحتذى به في الالتزام، كان أمينًا في بيته تجاه أباه وأمه وأخته وتجاه الكنيسة وحرصه على الحفاظ على حياته الروحية والعقائدية، فكان مداومًا الذهاب إلى الكنيسة والتناول والاعتراف، ويذكر أن أب اعترافه هو أبونا القديس “ميخائيل إبراهيم” كاهن كنيسة مارمرقس بشبرا الذي لقبته الكنيسة (بالإنجيل المعاش) وهو كان أب اعتراف (البابا شنودة الثالث) أيضًا حتى قبل أن يتجه للرهبنة.
_انحرافه بسبب الصداقة السيئة
تعرف مجدي على بعض من أصدقاء السوء الذين قادوه بعد ذلك إلى الأعمال الإجرامية ارتبط بهم وصار معهم وتبع أفكارهم تاركًا خلف منه كل شيء جميل، ترك حياته في الجامعة، ترك تفوقه في الدراسة، ترك كنيسته وتخلى عن كل شيء جيِّد حتى يتبع طريق غير معلومة ملامحه ولا تحمل سوى الضياع والهلاك.
بدأت الرحلة حين دعاه بعض أصدقائه في يوم للذهاب إلى سينما قصر النيل ليشاهدوا فيلمًا عن مجموعة من الأصدقاء طمحوا إلى الثراء وامتلاك أموال كثيرة حتى يصبحوا من الأغنياء فقاموا بالسرقة، فاحتلت هذه الفكرة عقل سامي أحد أصدقاء مجدي وظلت هذه الفكرة تملأ عقله وتتملك منه، حتى استطاع أن يبث سمها في عقول أصدقاؤه وكان من ضمنهم مجدي يسى، فانحرفوا عن مسار الحياة الطبيعية، اعتادوا التدخين وشرب الخمور، وأقاموا الكثير من العلاقات الجنسية، حتى بدأت أخلاق مجدي يسى تنهدم ويخرج عن مساره الأخلاقي الذي نشأ وتربى عليه، ومع أنه ندم في لحظات كثيرة ورجع عن طريقه على أن قربه من هؤلاء الأصدقاء قد جرفه إلى طريقهم من جديد وكانت قوى الشر أقوى من أن يواجهها مجدي حتى استسلم وصار معهم فيما يفعلونه.

بداية خوضه في عمليات السرقة

اتفق الأصدقاء بأن ينفذوا ما شاهدوه في الفيلم وأن يصبحوا من الأغنياء لكي يحترمهم المجتمع ويعمل لهم ألف حساب، كان لسامي جيران له ذهبوا إلى المصيف مما أغراه أن البيت لا يوجد فيه أحد واتفقوا بأن يقوموا بسرقة هذا البيت أثناء غياب أصحابه، وكانت هذه أول عملية سرقة التي أتت برجل مجدي يسى في طريق الجريمة واستعبدته بعد ذلك في جرائم أكثر وأكثر.

أول جريمة قتل والقبض عليهم

من خلال إحدى عمليات السرقة التي قاموا بها ذات يوم فوجئوا بسيدة في المكان قد استيقظت أثناء فعلتهم مما لم يجدوا أمامهم طريقة سوى التخلص منها وقاموا بقتلها ويقال أنهم قتلوا أكثر من إنسان، وكانت دائمًا جرائهم تقيَّد ضد مجهول، إلى أن في يوم أثناء عملية سرقة يقوموا بها قبض على واحد منهم وتمكن مجدي ومَن معه من الهرب إلا أن صديقه الذي قبض عليه قام بالاعتراف عليهم وتم ضبطهم والتحقيق معهم.
تم حبس مجدي 15 يوم على ذمة القضية وبعد ذلك أصدرت المحكمة حكمها عليه وعلى أصدقائه بالسجن لمدة ثلاث سنوات، صدمت عائلة مجدي مما حدث وانهارت أعصابهم، ذهبت أخته وكانت تدعى ماري إلى أبونا ميخائيل إبراهيم في حالة هيستيرية ترصد له ما حدث مع أخيها وتطلب منه الصلاة من أجله، اهتم أبونا ميخائيل بالأمر ورفع اسمه في كل قداس يقيمه وظل يصلِّي من أجله ومن أجل محنته بمرارة وبكاءً شديدًا.
_مذكرات أبونا ميخائيل مع مجدي في السجن
استطاع أبونا القديس ميخائيل إبراهيم من أن يحصل على تصريح لزيارة مجدي يسى في السجن، وقد كتب في إحدى مذكراته عن رهبة هذا اللقاء العظيم وأنه مهما وصف لن يستطيع أن يصف ما حدث فقد وجد أمامه إنسان قد تغيَّر تمامًا وعندما وجد مجدي أبونا ميخائيل أمامه ارتمى في حضنه وبكى بكاءً شديدًا وصرخ بمرارة كبيرة وكان يشعر بالذنب الشديد وأنه يرغب بأن يتوب توبة حقيقية، معلنًا أمام أبونا ميخائيل وأمام نفسه والله عن قسوة نفسه والصراعات النفسية التي يتعرض لها فقد كان في حالة لا يرثى لها.

صلاة مجدي القوية

دامت زيارات أبونا ميخائيل إبراهيم ليسى في سجنه ليسانده ويشجع نفسه وطلب منه أنه يقرأ الإنجيل باستمرار وصلوا معًا، وفي هذه الليلة بعدما انصرف أبونا ميخائيل عاد مجدي إلى زنزانته وألقى نفسه على الأرض راكعًا وهو يبكي بكاءً مرًّا وقال: يا رب ها أنا غير مستحق أيها الرب يسوع المسيح أن تموت من أجلي على الصليب، فمن أجل دمك المسفوك اقبلني وسامحني، مثلما قبلت القديس موسى الأسود الذي أعلن توبته أمامك واعترف بكل خطاياه في العلن، أطلب إليك ببركة وشفاعات السيدة العذراء مريم.
وفور أن انتهى من لفظ هذه الصلاة إلا ووجد الزنزانة المظلمة حوله تمتلئ بالنور الشديد ورأى العذراء مريم أمامه في قمة مجدها قائلة له: يا مجدي يا حبيب المسيح، الرب يسوع يحبك اعلم هذا وثق به، فهو الذي مات من أجلك على الصليب وتأكد أنه لن يتركك، وأنا كنت أصلي من أجلك لكي ينقذك الرب من هذا الطريق الذي أضعت نفسك فيه، وجئت لأنقذك من طريق الضلال الذي سرت فيه، فأطلب منك أن كل ما يقوله لك أبونا ميخائيل إبراهيم افعله دون شك ودون أدنى شك أو تردد، تذكر، افعل كل ما يقوله لك، لا تخف لأن الرب معك، سلام سلام عليك.

اعتراف مجدي بكل جرائمه

في زيارة أبونا ميخائيل لمجدي سأله وقال له ماذا تريد؟
فأجابه مجدي أنه لا يريد سوى التوبة والغفران الحقيقي، وأعلن أمامه أنه ارتكب جرائم أخرى غير السرقة، النيابة لا تعلم عنها شيء، مثل أنه قتل وزنى، وأباح أمامه بسرّ أن شبح السيدة التي قتلها لا يفارقه أبدًا في كل لحظة وأنه يريد أن يخلص نفسه من كل هذا العذاب وأن يقبل الرب توبته.
فطلب منه أبونا ميخائيل أن عليه في جلسته القادمة في المحكمة أن يعترف للقاضي بكل شيء قد فعله وكل جريمة قد تلطخت يديه فيها.
وبالفعل أثناء جلسة الالتماس التي قدمها المحامي المدافع عنه لكي يتم تخفيف الحكم عليه من ثلاث سنوات إلى أقل من ذلك نظرًا لأن مجدي شاب جامعي ولم يكن له أي سابقة قبل ذلك وأنه كان متفوقًا في دراسته، فحدث ما لم يكن يتخيله أحد، حتى النيابة صُدمت بما قاله مجدي ووصفته بالمجنون.

اعتراف مجدي يسى بجرائمه

كان مجدي قد كتب ورقة يرصد فيها كل جرائمه حتى لا ينسى شيء، وفي أثناء المرافعة صرخ مجدي للقاضي: يا سيدي…يا سيدي يوجد لدي اعترفات أريد أن أبوح بها حتى يستريح ضميري، فأخرج مجدي الورقة من جيبه وقال أن هذه السرقة لم تكن الوحيدة له ولأصدقائه فإنها جريمة من ضمن جرائم كثيرة قد ارتكبوها، وأنه في إحدى عمليات السرقة هذه حدثت عملية قتل وأنه قام بالقتل بيديه وأنه زنى وقام بأفعال بشعة جدًّا، فامتلأت ساحة المحكمة بضجة كبيرة وصراخ من أهله، والنيابة وقفت مذهولة مما تسمعه واصفة مجدي بالمجنون والقاضي تلعثم في كلامه ولم يعرف كيف سيجيب.
وفي جلسة النطق بالحكم انضمت جميع القضايا التي قيدت ضد مجهول لتنضم إلى قضية مجدي وصدر الحكم عليهما هو وزميله بالاعدام، وأما باقي أصدقائه فقد حكم عليهم ب 15 سنة تقريبًا، أما صديق مجدي الذي يدعى سامي استثار غضبًا وكان يريد أن يقتل مجدي فكيف له أن يتقبل بأنه بعدما كان سيقضي ثلاث سنوات فقط بأنه سيعدم.
وقبل ليلة تنفيذ الاعدام على مجدي وسامي رأى مجدي السيدة العذراء في نومه تقول له: قد أكملت توبتك يا مجدي والرب قد قبلها، فاستعد الآن وافرح بأكليلك السماوي الذي أعده رب المجد لك، فقد أصبحت من التائبين.

يوم تنفيذ حكم الاعدام

حضر له هذا اليوم أبونا ميخائيل إبراهيم ليسمع اعترافه الأخير وقام بمناولته والصلاة عليه، وقد تهافت على مجدي الضباط والعساكر لكي يأخذوا منه كلمة في أوراقهم، فكان مجدي يكتب لهم بعض الآيات التي يحفظها ويقوم بالتوقيع في النهاية.
وقد رصدت جريدة الأهرام يوم تنفيذ الحكم وإذ يجدون مجدي أثناء طريقه إلى غرفة الإعدام سعيدًا ومبتسمًا والبهجة تملأ وجهه وهو يصلِّي كأنه ذاهب إلى رحلة جميلة لا لأن يقف أمام عشماوي وكتبت: “إعدام مجدي يسى وهو يضحك، كان كل الذين حوله صامتين، وكانت الابتسامة ترتسم على وجهه، لم يفقد أعصابه لحظة واحدة، وبعد نصف ساعة أعدم زميله والذي قد انهارت أعصابه قبل أن يلتقي بعشماوي وبكى وهو يدخل غرفة الإعدام، وقد اتهم مجدي بأنه السبب في إعدامه.
وهنا نجد أنفسنا أما ضميرٍ صحوٍ برغم كل ما ارتكبه مجدي على أنه قد عاد ضميره وعادت إليه نفسه، نعم قد عادت في اللحظات الأخيرة من عمره ولكنها عادت، ليصبح قديس جديد ينضم لقائمة قديسي العصر الحديث ويقول الآباء عنه بأنه سارق الملكوت، وأن قصة مجدي هي مثال لقصة توبة حقيقية رصدتها الحياة في النصف الثاني من القرن الماضي.

إقرأ أيضا :

 

الوجه الآخر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Grandbetting - Bahis siteleri -

Meritroyalbet giriş