قبسٌ من الموت

بقلم / علي أبو يوسف

 

لا أرى أصغر من البعوض إلّا هذه الحياة الدنيا يكابد فيها الرجل العناء من أجل اقتناء كل نفيس وحصد كل ثمين حتى يهوى فجأة في الحفرة التي احتفرت له فيحثوا الناس عليه من التراب فيأكل الثرى جسده وينال التراب من محاسنه ويجد فيه الدود مرتعا يرتع فيه كيف يشاء، ومما جرت به عادة الأقدار أن يحوز الولد على ما جمعه من المال والعقار سواء كان هبة منه قبل موته، أو إرثا ورث بعد رحيله ومن مضحكات الأقدار الجلية والمنسية أن هذا الولد سيهوي بمثل ما هوى والده في تلك الحفرة التي احتفرت لهما بل لكل كائن تدب فيه الروح فيا أيها الإنسان إن في هذه الحفرة منتهاك فاعلم هذا واجعله منك على ذكر أبدا.

قبسٌ من الموت
قبسٌ من الموت

حسبك أيها الإنسان أن تعالج سكرات الموت قبل أن تعالج خطاياك، لو علم المرء منا ما يقاسيه الميت عند نزع الروح لن يشارف مواضع الذنب ولو علم المرء منا مشهد ملك الموت وهو يسلخ الروح من الجسد لآثر أن يضرب بكل سيف مجلو أو يطعن بكل رمح مثقف قبل أن يقارب مواطن الخطيئة إذ أن احتمال الرجل لهذه النزعات و السكرات لا يقاس بالعظام المشبوحة الغليظة ولا بالأجسام المكتنزة الشديدة وإنما باجتناب ما حرم الله واتباع ما أمر به والسعي وراء الفضيلة ومواطنها والفرار من الرذيلة وغوائلها.

يحكى أن رجلا كان يركض في بستان مليئة تربته و متكاثفة أشجاره به صنوف من الورود وأشكال من الأعناب وأخلاط من الأعشاب والثمار والنخيل، وهذا الرجل يركض قدر جهده ليحوز على أكبر قدر من هذه الأعناب وهذه الثمار لا يبصر موضع قدميه، ولا يأبه أين يضعهما حتى سقط في حفرة ذات قعر فمكث فيها أبدا، أما والله إن الحياة والموت كمثل هذا البستان وتلك الحفرة.

أيها الملك الفاني ! أين جلالك وهيبتك؟! أين ملكك وعظمتك؟! أين تاجك المرصع، وجوادك المطهم؟! أين العرش و الخدم والحشم؟! أين الملوك التي مسلطنة… حتى سقاها بكأس الموت ساقيها ! (على بن أبي طالب رضي الله عنه) ما بك أيها الملك قد خلعت ثياب الملك ولبست كفن الموت وقد كنت تظن أنك بملكك عنه في معزل ومنأى يعصمك منه ولكن لا عاصم من أمر الله.

يا من غرته سلامة جسده وطول أمله إن هذه الجثث الهامدة التي تحمل اليوم إلى الأجداث هي التي كانت تضرب الأرض بفأسها وتطأ الأرض بقدمها فتزلزلها أيها الغني المغرور بمالك إن كان لمالك سلطانا في دفع الموت عنك فسله يخلصك إن استطاع وأنتِ أيتها الحسناء هل أنتِ التي قيل فيها لم تضم البيوت على أجمل منها فأصبحتِ يقال فيكِ جثة ضمها القبر كما ضم غيرها.

أيها القبر! إنك تبتلع الحسناء والدميمة و القوي والضعيف والصغير والكبير والصحيح والمريض و الغنى والفقير والعظيم والحقير فالجميع حينئذ رمم بالية وجيف قذرة يرتع فيها الدود.

وهذا أبو ذؤيب الهذلي يقول: وإذا المنية أنشبت أظفارها…ألفيت كل تميمة لا تنفعُ وليأتين عليك يوم مرة ً … يبكي عليك مقنعا لا تسمعُ فيومئذ لا تنفعك التمائم ولا الدراهم ولا الخدم ولا الحشم لن ينفعك إلّا ما أعددته لنفسك لتأخذه وما تركته للناس مما قد يعتق رقبتك أو يزيد في درجتك من علم نافع أو ولد صالح وهذا أبو العتاهية يقول: فلا تحسبن الله مخلف وعده… بما كان أوصى المرسلين و أرسلا هو الموتُ يا بن الموتِ والبعثُ بعده… فمن بين مبعوث مخفا، ومثقلا عشقنا من اللذات كل محرم …فأفٍ علينا ما أغرَّ وأجهلا وكم من عظيم الشأن في قعر حفرة… تلحف فيها بالثرى وتسربلا.

تنافسُ في الدنيا لتبلغ عزها …ولست تنال العز حتى تُذللا أما أنا فقد كنت أخشى الموت وذكره خشية الجدي الذي استروح السبع حتى وقع من أمور دنياي ما جعلني لا أخشاه أبدا فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه فلا أرجو من الله إلّا أن يكتبني عنده في الصالحين و أن أموت محمود السيرة فيقال فيَّ كما قيل في أبي سليمان (كنية خالد بن الوليد) على مثل هذا الرجل فلتبكي البواكي.

إقرأ أيضا :

الروح والجسد في القرآن الكريم

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Grandbetting - Bahis siteleri -

Meritroyalbet giriş