تحديات العولمة وعلاقاتها بالتراث والحداثة

بقلم/ د. رباب شاهين

تعد العولمة من المفاهيم التي ارتبطت ذهنياً في بادئ الأمر بالاقتصاد وعالم التجارة الدولية فهي تسهل تدفق البضائع والأشخاص والمعلومات عبر الدول، فقد بدأت مع تطور قدرة البشر على الانتقال عبر البر والبحر لأهداف تجارية وأحياناً استكشافية أو استعمارية وعسكرية، لكن مع تطور المجتمعات ودخولها عصر الإنترنت، أصبح للعولمة مفهوم آخر له من التأثيرات ما يشكل معه مواكبة كل ما هو حديث، وقد يؤثر على كل ما يعد تراث ويمحي معه الهوية الحضارية.

تحديات العولمة وعلاقاتها بالتراث والحداثة
تحديات العولمة وعلاقاتها بالتراث والحداثة

لمزيد من المقالات اضغط هنا

مفهوم العولمة

وإذ أردنا تعريف العولمة سنجد جدلاً كبيراً حول مفهومها، حيث هناك عشرات التعريفات المختلفة للعولمة والتي تختلف باختلاف موقف صاحبها من قضية العولمة، فعلى سبيل المثال هناك من يرى العولمة هي انتقال الثقافات من دولة إلى دولة وتحول الأفكار والعادات إلى أنماط جديدة عن التى اعتادوا عليها. كذلك انتقال الدعوات الدينية المختلفة عن ديانة البلدان المنقول إليها تلك الديانات وبالتالي يمكن تعريفها بناءً على هذا المثال بالاستعمار الفكري والديني. ويرى البعض الآخر أن العولمة ما هي إلا تحول العالم إلى قرية صغيرة، فعلى سبيل المثال معرفة ما يحدث في الجزء الآخر من العالم في نفس اللحظة يعتبر ذلك مظهراً من مظاهر العولمة. وينظر البعض إلى عادات الطعام أيضاً كجزء من العولمة الثقافية والاجتماعية كغزو الهمبرجر للعالم، وهي بالتأكيد أخطر أنواع العولمة لأنها تؤثر سلباً على الثقافات المحلية والوطنية والتي تعد بمثابة تراث يمثل كل دولة على حدة.

تأثير العولمة على التراث

والتراث ماض يسعى إلى فرضٍ ما لوجوده،؛ والعولمة حاضر نشط يطغى على كثير من مجالات الحاضر وما قد تكتنزه من آفاق المقبل من الزمن، وكلاهما له دور لا يمكن انكاره في تكوين الهوية الثقافية والتأثير عليها، ولكن قد تطغى العولمة في زمننا الراهن في التأثير على التراث الثقافي لذلك نجد أن هناك صراع بشكل أو بآخر بين العولمة والحفاظ على آصالة التراث ومع ذلك لا نستطيع معه الجزم لغلبة أحدهما على الآخر.

تحديات العولمة وعلاقاتها بالتراث والحداثة
تحديات العولمة وعلاقاتها بالتراث والحداثة

هل الحداثة تشكل خطراً على تراث الأمم؟

ومع وجود ميل عند البعض بوجود تأثير سلبي قوي للعولمة لا يمكن تجاهله، إلا أن هناك من يشير إلى دور العولمة البارز في إدخال الحداثة بالشكل الذي يعود معه بالنفع والاستفادة على الدول خاصة الدول النامية باعتبارها دول أمس الحاجة للتغيير لمواكبة التقدم، ولكن للحداثة كما لها مميزات فإن لها من العيوب يصل إلى حد إلغاء كل ما يعد من معالم وإرث الأمم على مر السنين، وبالتالي فهل يمكن أن تشكِّل الحداثة بكل هذا خطراً على التّراث، بما في ذلك الهوية الثقافية المبنية على هذا التراث؟
مما لا شك فيه أن للحداثة أهمية كبرى في قيادة عجلة النمو والتقدم، فبدون السعي لإدخال كل ما هو جديد في شتى المجالات، ستظل المجتمعات تحت سطوة الجهل وتبقى عرضه دائمة لاستغلالها من قبل قوى استعمارية كبرى بحجة تطويرها وإعادة صياغتها وفق أهدافها المادية، ومن ثم تعيد تصديرها، بعد إخفاء خصوصيتها، بما يتوافق وطموحات الدول الاستعمارية الجديدة.

تحديات العولمة وعلاقاتها بالتراث والحداثة
تحديات العولمة وعلاقاتها بالتراث والحداثة

كيفية التعامل مع الحداثة

وبناءً على ذلك، يقع الدور الأكبر للموازنة بين الحفاظ على التراث وبين الحداثة -والتي هي أحد أدوات العولمة- على كل عاتق كل فرد وكل جماعة في التعامل مع التراث ومع العولمة، فالإنسان الواعي يعلم جيداً مساهمة الحداثة في عصرنة هذا التراث وتطويره، وبهذه العملية تكتسب الثقافة الجديدة صفة الأدب الحداثي. لذلك يجب الاستفادة من اللحظات الأكثر إضاءة من التراث والعمل على تحديث يضمن التواصل مع الأصل بقدر ما يضمن تجاوزه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Grandbetting - Bahis siteleri -

Meritroyalbet giriş