التحنيط.. مهنة سرية .. أم فلسفة الخلود ؟

 

بقلم الباحثة والكاتبة الأثرية/ ندى محمود غريب .

وصلنا إلى القرن الحادى والعشرين – القرن الأول من الألفية الثالثة – وما نشهده من ثورة فى عالم التكنولوجيا والمعلومات كذلك التقدم والتطور السريع فى مختلف النواحى ولكن مازالت كلمة “التحنيط” عندما تُذكر تُدار حولها علامات الإستفهام وملامح الغموض بل وتستدعى معها أشياء غريبة مثل “التركيبة السحرية” وغيرها من الأساطير التى تدور حول هذه الكلمة كلما أتى ذكرها.

وخطورة هذا الأمر تتمثل فى غياب الوعى الأثرى فهل يُعقل أنه فى مصر من لا يزال يعتقد فى شيء إسمه الزئبق الأحمر ومواد إشعاعية وتركيبة سحرية إستخدمها المُحنطون فى مصر القديمة ؟! والأخطر أن بعض الأثريين مازالوا يعيشون فى أبراج عاجية ويمتنعون عن الرد على مثل هذه الخرافات بحِجة عدم وجود وقت للرد وفشل الإقتناع والتصديق من الطرف الآخر ، لكن دعونا نذهب فى جولة إستكشافية نعلم من خلالها بعض الحقائق.

فى البداية ربما لم نستطع العثور على وثائق فى الوقت الحالى لشيوع توارث المهن والوظائف فى مصر القديمة كوظيفة المُحنِّط والتى ربما توارثتها إحدى الأُسر منذ بداية التاريخ حتى نهايته ، ولكن هذا لا يمنع من وجود مصادر أخرى نستطيع أن نستسقى منها معلوماتنا .

وتنقسم مصادر معلوماتنا عن التحنيط مابين مصادر مصرية أصلية تركها المصريون أنفسهم مثل (بردية ليدن – بردية العجل أبيس – بردية أمهرست – بردية بولاق – بردية متحف اللوفر) بجانب بعض القطع من برديات أخرى ونقوش مقابر تتعلق بالتحنيط والتى تتحدث جميعها عن دهانات ولفائف الجسد وأسعار مواد التحنيط وإجمالى تكفلة عمل المومياء فى ذلك الوقت.

طريق الحرير ماضى أصبح حاضر

ومصادر أخرى ثانوية سجلها الكُتَّاب والمؤرخون الكيلاسيكيون الذين زاروا مصر فى أواخر عصور إزدهارها أمثال هيرودوت وديودور الصقلى ولكن كتابتهما عبارة عن مشاهد وصفية وليست متعمقة ربما لصعوبة التواصل بين لغة المؤرخين الإغريقية واللغة المصرية القديمة وربما أيضاً لأن المصريين رفضوا الكشف عن سر التحنيط لهؤلاء الأغراب .

أما حالياً ومن خلال الفحص العلمى والدراسات  لمومياوات وأجساد المصريين التى تم الكشف عنها أصبح لدينا معلومات أكثر حول مواد وأدوات وخطوات التحنيط ..

الحفاظ على الجسد” هو أقرب التعبيرات دقة لما يصنعه المُحنِّط وينفذه على الجسد من معالجة طبية ، وقد شاعت بين علماء المصريات كلمات كثيرة تعطى تعبير الحفاظ على الجسد ولكن هذه الكلمات لم تكن دقيقة بقدر هذا التعبير، فمن أقدم الكلمات التى أُطلقت على علم الحفاظ على الجسد هى الكلمة المصرية القديمة “وت” أو “وتى” والتى تعنى يُكفِّن أو يلف باللفائف ،

والكلمة الثانية لاتينية وهى “Mummification” والتى اشتقت من كلمة “مومياء” ولا زال البعض يعتقدون خطأ أن مومياء كلمة عربية خالصة ولكن هذه الكلمة مشتقة من أصل فارسى والتى تعنى “أسود اللون” لأنهم فى القرن الخامس ق.م لاحظوا أن الأجساد تحولت بعد تحنيطها إلى اللون الأسود ،

ومن الكلمات التى شاعت أيضاً الكلمة الإغريقية “Embalming” أى إغراق الجسد فى البلسم وهى مادة شاع إستخدامها فى العصر الإغريقى فى تحنيط الأجساد ، أما أشهر الكلمات على الإطلاق فهى “التحنيط” وهى كلمة عربية اشتقت من كلمة “الحنوط” وهى مواد الحفظ التى كانت لها خاصية عطرية كالعنبر والمسك والكافور واستخدمها المحنِّط  العربى فى دهن الجسد والنعش ، فمن كلمة حنوط جاء لفظ “الحانوطى” وهو الشخص المعنى بالفعل ، ولا تزال الكلمة تعيش فى لغتنا الدارجة فى مصر بعد أن أصبحت الطاء تاء ومن ثم أطلقت كلمة “الحانوتى” على الشخص الذى يقوم بغسل الموتى وتحضير النعش ..

إعتبر المصرى القديم أن هناك نوعين من الموت :

الأول هو مفارقة الحياة أى مفارقة الروح للبدن والدخول إلى عالم غامض ولكنه لم يعتبره نهاية الحياة وإنما مرحلة إنتقالية لحياة أخرى ،

أما الثانى فهو تحلل الجسد وفساده ؛ ولم يكن المصرى القديم يخشى الموت الأول ولكنه إعتبر الموت الثانى حائط سد يمنعه من العبور إلى الخلود والحياة الأبدية فى العالم الآخر ،

كذلك لخَّص مفهومه عن الموت فى أحد نصوص الأهرام فقال “إن الروح مستقرها السماء ، بينما الجسد للأرض” حيث تخيل أنه بحلول الموت يفترق الروح والجسد مُدَّة زمنية محددة ثم تأتى الروح فى الجسد مرة ثانية يوم الدفن لكى ترشدها فى رحلة العالم السفلى ولكن فى النهاية تبقى الروح خالدة مخلدة فى السماء والجسد على الأرض ”

وهكذا يتضح أن الروح تنفصل عن الجسد لتستقر فى السماء وعندما تعود تكون جاءت لترى الجسد مرة أخرى وهذا يعنى أن الروح قادرة على الإدراك والتعرف على الكيان المادى الذى عاشت فيه قبل الوفاة لذلك لابد للجسد أن يحافظ على شكله وملامحه لوجوب تعرف الروح عليه وهذه هى أسباب وفلسفة التحنيط ،

التحنيط.. مهنة سرية .. أم فلسفة الخلود ؟
التحنيط.. مهنة سرية .. أم فلسفة الخلود ؟

فعملية التحنيط ماهى إلا تطبيق لهذه النظرية ومحاولة إيقاف عوامل فناء الجسد (الكيان المادى) ومساعدة الروح (جوهر الحياة) فى مستقرها السماوى ..

الأماكن  الخاصة بعملية التحنيط

فليست هناك معلومات مؤكدة عنه ولا عن المحنطين وألقابهم ولكن من خلال نقوش المقابر وأغطية التوابيت نجد أن هناك ثلاثة أماكن إرتبطت بالتحنيط :-

* أولهما مكان يطلق عليه “وعبت” أى المكان الطاهر ويتفق أغلب علماء المصريات على وجوده بالبرالغربى بالقرب من المقابر وهو عبارة عن ورشة أو مبنى مؤقت من الطوب اللبن ومواد مؤقتة كالبوص والخشب ولكن إلى الآن لم يتم التعرف على تفاصيله التخطيطية بدقة سوى من خلال الثقوب الثمانية الموجودة على الأرض أمام معبد الوادى الخاص بهرم الملك خفرع بالجيزة.

ويؤكد عالم الآثار الألمانى “هولشر” أن هذه الثقوب كانت لثبيت ثمانية أعمدة خشبية تسند سقف الوعبت والتى كانت تتم فيها عملية تحنيط جثمان الملك خفرع ، ومن خلال بردية “آنى” والمحفوظة بالمتحف البريطانى نجد أن الوعبت كان لها بابان ومقسمة من الداخل إلى ثلاثة أقسام ( قسم لغسل الجسد – قسم لتجفيف الجسد – قسم يتعلق بلفائف الكتان ) .

* وثانيهما مكان يسمى “إيبو” وهو عبارة عن مبنى من المواد الخشبية وسعف النخيل ولا بد لهذا المكان أن يكون مرتبطاً بمصدر للمياه لأن الهدف منه أن يكون خيمة للتطهير .

* أما الثالث فهو مكان يطلق عليه “بر-نفر” أى البيت الجميل ومن المحتمل أن هذا المكان إرتبط بالدهانات والعطور ولفائف الكتان ، وربما أن المكانان الأخيران جزءًا من المكان الأول أى أن الوعبت هى ورشة التحنيط العامة التى تضم بداخلها الإيبو والبر-نفر

ماذا يتم قبل البدء عملية التحنيط

فبعد حدوث الوفاة مباشرة كان أهالى المتوفى يحملون الجسد ويذهبون به إلى إحدى ورش التحنيط التى تقع بالقرب من الجبانة ويتفقون مع رئيس الورشة أو المشرف على المحنطين على أمرين :-

  • إمداد الورشة بكافة المعلومات عن هوية المتوفى لأن فقدان الهوية فى نظرهم لا يمكن تعويضها وذلك يعنى عدم تعرف الروح على صاحبها ومن ثم ضياع فرصته فى الإلتحاق بحقول الإيارو (جنة الأبرار) فكانوا يحرصون على ربط الجسد بمعلومات مهمة مثل إسمه ولقبه ومحل إقامته وتاريخ وفاته ، وهذه الأخيرة كانت تهم المحنطين لأنهم كانوا يقدرون مدة التحنيط على حسب تاريخ الوفاة .
  • مُعَاينة طرق التحنيط الثلاث وإختيار إحداها ودفع التكاليف والتى تنوعت فى مصر طبقاً لإختلاف الطبقات الإجتماعية ومدى الثراء .

طرق التحنيط الثلاث وأسعارها :-

أولاً: (النموذج الكامل للطبقة العليا) :- والذى كان يقوم فيه المُحنّط بتطبيق كل خطوات التحنيط كاملةً مع إستيراد مواد التحنيط عالية الجودة من لبنان وسوريا واليونان والصومال ، وتبدأ هذه الطريقة باستخراج أنسجة المُخ من الفتحة المصفوية بالأنف ثم إستخراج باقى الأحشاء .

ثانياً: (نموذج الطبقة الوسطى) :-  وفيه يتم إستخراج الأحشاء عن طريق حقن الجسد بحقنة شرجية مملوءة بزيت الأرز ثم يُجفف الجسد بعد ذلك ويتم دهنه ولفه بلفائف الكتان ، وتختلف هذه الطريقة عن سابقتها فى عدم الإهتمام  بالحفاظ على أعضاء الجسد الداخلية وإنما يُحللها عن طريق الحقنة الشرجية كما يستخدم المُحنّط مواد محلية بديلة مثل زيت الخروع .

ثالثا: (نموذج الطبقة الفقيرة) :- وفى هذه الطريقة لايتم إستخراج مُخ المتوفى ولا أحشائه فيقتصر التحنيط على غسل الجسد وتجفيفه ودهنه بالدهون والزيوت العطرية ولفّه باللفائف .

تُجرى عملية التحنيط بواسطة أحد الكهنة والذى يطلق عليه “غرى-حِب” أى الكاهن المرتل والذى يبدأ بقراءة إجراءات وخطوات عملية التحنيط من خلال بردية يمسكها بيديه ، أما صاحب الدور الرئيسى والمشرف على التحنيط والتكفين فيطلق عليه “إمى-دوات” والذى يظهر مرتدياً قناع المعبود أنوبيس (إله التحنيط) ، وهناك الكهنة المساعدون ويطلق عليهم “وتو” أى المُكفِنون ، بجانب كاهنان آخران أحدهما يُدعى “حور”

ويرتدى قناع المعبود حورس وهو سيد الورشة والذى يقوم بصب الدهون والزيوت فوق الجسد ، والآخر يُدعى “سشمو” وهو الذى يقوم بلف اللفائف ؛ وفى الوقت الذى أشار فيه هيرودوت إلى طرق التحنيط الثلاث

، ألقى فيه ديودور الصقلى الضوء على أسعار عملية التحنيط فذكر أن النموذج الأول هو أعلى النماذج تكلفةً وسعرًا حيث كان يتكلف تالنت من الفضة فى أواخر العصور الفرعونية أى ما يُعادل فى وقتنا الحالى 235جنيهاً مصرياً ، كما سجلت بردية أمهرست (المحفوظة حالياً بالمتحف البريطانى) أن أجر المحنّط كان حوالى أحدعشر دراخمة .

وذكرت بردية أخرى (محفوظة حالياً بالمتحف المصرى ومؤرخة بالقرنين الثالث والثانى الميلادى) تفاصيل موسَّعة حول أسعار مواد التحنيط ولأنها من العصرين البطلمى والرومانى فقد ذُكرت الأسعار بعُملة تلك الفترة وهى الدراخمة (وتزن 3.75جم) والأوبل (ويزن 0.75جم) ..

أما بالنسبة للأدوات الخاصة بعملية التحنيط

فقد إستخدم المُحنطون أدوات تتعامل مع الخصائص التشريحية للجسد وخاصة عند إختراق صندوق الجمجمة لنزع المُخ وفتح البطن لإستخراج الأحشاء ، كما يضم متحف التحنيط بمدينة الأقصر الأدوات الجراحية  والمواد الخاصة بالتحنيط والتى عثر عليها بالقرب من المقابر ، وهذه الأدوات هى :-

  • فرشاة تحنيط مصنوعة من سعف النخيل طولها 10سم .
  • مقص برونزى طوله 6.8سم .
  • ملقاط طوله 7.5سم .
  • إبرة برونزية بخيط كتانى .
  • إزميل برونزى .
  • مخرازان أحدهما بيد خشبية والأخر بدون .
  • جِفت برونزى مزود بمحبس من العصر الرومانى .
  • سباتيولا من البرونز طولها 13.5سم .
  • ملوقة (ملعقة) برونزية .
  • مشرطان أحدهما طوله 17سم والآخر 14.7سم ، وهما من حجر الظُران الحاد والمخصص لعمل شقاً فى جانب البطن الأيسر لإستخراج محتوياتها

آلات حديدية وبرونزية معقوفة بلغ طولها 40سم ، والتى كانت تُحشر داخل الجمجمة من خلال العظمة المصفوية أعلى كوبرى الأنف لإستخراج النسيج المخى

الأدوات المستخدمة في التحنيط:-

وفيما يتعلق بمواد التحنيط فاعتقد بعض الناس أن هناك تركيبة سرية أو سحرية إبتدعها قدماء المصريين لتحنيط أجسادهم ولكنهم فى حقيقة الأمر إستخدموا مواد مستوردة بجانب مواد محلية بديلة فى عملية التحنيط وذلك طبقاً للطبقة التى ينتمى إليها المتوفى ، وهى عبارة عن :-

  • الماء:- وكان المادة الأساسية والبدائية فى عملية التطهير وذلك بهدف إزالة الأوساخ المتعلقة بالجسد ، كذلك إستخدم بهدف معنوى وهو إعادة الميلاد للمتوفى .
  • ملح النطرون:- وهو عنصر أساسى ساعد على تجفيف الجسد وتخليصه من المياة والسوائل وكان له قدسية خاصة عند قدماء المصريين ، كما كان يُجلب من وادى النطرون ومنطقة نقراش بالدلتا ومنطقة الكاب بإدفو .
  • مواد ذات رائحة طيبة:- وهى عبارة عن مواد قابضة وطيارة كان الغرض منها طرد الحشرات والروائح الكريهة وتضم ( زيت مستخرج من قشر جذع شجرة القرفة – سائل مستخرج من نبات المُر ويستورد من الصومال – سائل الكندر وهو سائل صمغى ذو لون أصفر يُستخرج من اللبان الدكر ويستورد من الصومال – سائل يُستخرج من شجرة المستكة – ثمرة شجرة السنط – البصل وقشره – نشارة الخشب العطرية – لُب خيار الشنبر ذو اللون الأسود ) .
  • المواد الصمغية:- وكانت عبارة عن راتنج صمغى يؤخذ من أشجار الصنوبر والعرعر ، بجانب شمع النحل لإغلاق فتحات الجسد .
  • الزيوت والدهون:- وضمت زيت التربنتينا المستورد من اليونان ، وزيت الأرز المستخرج من حبات شجر العرعر بعد نقعها ، بجانب زيت الخروع والذى إستخدم بديلاً عن زيت الأرز ، كذلك دهن الثور والذى كان يُغلى ويُصَب داخل صندوق الجمجمة وعلى السطح الخارجى للجسد .
  • نبيذ البلح:- واعتُبر من المواد المعقمة فهو عبارة عن عصارة تؤخذ من شجرة النخيل تحتوى على نسبة 14% كحول ، لذا إستخدمه المحنطون فى تنظيف الفراغ الجمجمى والبطنى وفى تعقيم اليدين قبل وضعهما داخل الجسد .
التحنيط.. مهنة سرية .. أم فلسفة الخلود ؟
التحنيط.. مهنة سرية .. أم فلسفة الخلود ؟

كيف تتم عملية التحنيط

وهنا تبدأ عملية التحنيط عندما يتسلم المُحنطون جسد المتوفى فى ورشة التحنيط ومن ثم يقومون بإجراء خطوات التحنيط وهى على النحو التالى :-

أولاً يقوم المحنطون بتنظيف الجسد من الأوساخ العالقة به وذلك بوضعه فى حوض الغُسل الذى يتناسب مع طوله وغسله جيدًا بالماء والملح – بعد ذلك يأتى المُحنّط وفى يديه الأداة المعقوفة والتى تشبه سنارة الصياد ويحشُرها داخل الجمجمة ليقوم بنزع المخ من خلال العظمة المصفوية أعلى كوبرى الأنف (كما ذكرنا سابقاً) ثم يقوم بتحريك الطرف الخارجى للأداة فيقوم الطرف الداخلى بقطع نسيج المُخ إلى قطع صغيرة يسهل إخراجها من فتحتى الأنف ويساعده فى إخراجها سكب المياه أو نبيذ البلح ،

ثم يأتى بنسيج المُخ المُستخرج ويضعه فى آنية صغيرة ليُدفن مع المتوفى فى المقبرة وذلك لقداسة كل عضو من أعضاء الجسد دينياً، وبعد الإنتهاء من تفريغ الجمجمة يقوم المُحنّط بنشر كتان مغموس براتنج أو بصب كمية كبيرة من دهن الحيوان المغلى أو الراتنج المغلى داخل صندوق الجمجمة من خلال فتحتى الأنف – بعد الإنتهاء من معالجة الرأس يقوم المُحنّط بنزع الأعضاء الداخلية لكى تتم معالجتها منفصلة بعد تنظيفها من السوائل وبقايا الدماء والأطعمة وذلك من خلال الفتحة التى شقّها المُحنّط فى الجانب الأيسر من البطن (لعلمه بأن أغلب الأعضاء توجد فى الجانب الأيمن وحتى لا يتأذى أى عضو) ومن ثم يقوم بإخراج الرئتين والقلب والمعدة والأمعاء والكبد والكليتين ويضعهما فى ملح النطرون مُدة زمنية محددة ثم يقوم بدهنهم بزيت الأرز ولفهم بلفائف الكتان ووضعهم فى أوانى مخصصة والتى يطلق عليها “الأوانى الكانوبية” وذلك ماعدا القلب والكليتين فبعد معالجتهم يتم إرجاعهم للجسد مرة أخرى

– وبعد إفراغ الأحشاء كان المُحنطون يضعون داخل الفراغين البطنى والصدرى وتحت الجلد مواد الحشو على مرحلتين فيما قبل عملية التجفيف وما بعد عملية التجفيف ، وكان هذه المواد عبارة عن لفائف كتان وملح النطرون ومواد عطرية وراتنج صمغى وقش وبقايا مواد نباتية ومسحوق رمل الكوارتز ونشارة خشب عطرى ومُر وقرفه بجانب بصلة أو بصلتين ، هذا كله كان يُعطى للجسد خصائصه كما لو كان حيًا بالإضافة إلى أنه يساعد على قتل البكتريا التى قد تتسرب للجسد

– بعد ذلك تأتى عملية التجفيف والتى كان الهدف منها هو التخلص من ثلثي وزن الجسد وفى هذه الخطوة يأتى المُحنطون بالجسد المراد تحنيطه ويضعونه فوق سرير حجرى مائل مزود بقناة ويلقون عليه كمية كبيرة من ملح النطرون لمدة 40 يومًا ، وخلال تلك المُدة تخرج جميع السوائل المتخلفة من الجسد وتسير فى هذه القناة لتتجمع فى حوض حجرى أسف السرير

-ثم يأتى المُحنط بعد ذلك ويقوم بمعالجة كافة التغيرات الجسدية التى حدثت بعد التجفيف كتغير لون الجلد وتفتُح مساماته وزيادة صلابته وذلك بإستخدام الزيوت والدهون ، كذلك إغلاق فتحات الجسد التى شقها المُحنّط وسد الفتحات الأخرى مثل فتحات العين والأنف والفم والأذن والشرج وذلك بوضع البصل والفلفل الأسود ثم لصقهم بشمع النحل والراتنج الصمغى ، ولأن فتحة البطن كانت أكبر الفتحات فكان يتم حشوها بالمواد السابقة ثم وضع تميمة “عين حورس” لأكثر حماية ثم تخييطها بالإبرة وخيوط الكتان

– وبذلك تكون عملية التحنيط قد أوشكت على الإنتهاء وهنا يأتى دور اللمسات الجمالية التى توضع على المومياء مثل صبغ الوجه وتلبيس الصنادل والحُلي وباروكات الشعر المستعار وإرفاق التمائم والأحجبة ، بعد ذلك يقوم الكاهن بلف الكتان واللفائف وتصحب كل لفة تعويذة يقرأها الكاهن من كتاب الموتى والتى كان الغرض منها توفير أقصى حماية للجسد ومنع عوامل التحلل من الإقتراب منه ، وتنتهى خطوات التحنيط بوضع القناع المخصص لوجه المتوفى على مومياؤه ثم يقرأ المشرف على التحنيط التلاوات والتعاويذ وبذلك تكون إجراءات مراسم دفن الجسد المُحنَّط جاهزة ..

التحنيط.. مهنة سرية .. أم فلسفة الخلود ؟
التحنيط.. مهنة سرية .. أم فلسفة الخلود ؟

ماهي الفترة اللازمة لبدء التحنيط ؟

أما الفترة اللازمة لإجراء عملية التحنيط فهناك الكثير من النصوص التى تعلقت بها حيث رجع بعضها إلى عصر الدولة القديمة وأحدثها كان من العصر البطلمى ، مشيرين إلى أن المُدَّة الزمنية التى إستغرقتها عملية التحنيط قد قاربت 300 يوماً فى حين أن البعض الآخر لم يتجاوز 40 يوماً ، وعلى أية حال فتتفق معظم النصوص على أن مدة التحنيط كانت تستغرق 70 يوماً حيث عثر على نصين مُدَونين على جدران مقبرتين بطيبة من عصر الدولة الحديثة (وتحديداً نصف الأسرة الثامنة عشرة من عهد حتشبسوت وتحتمس الثالث) ذُكرا أن : “…. والسبعون يوماً المخصصة لك إكتملت فى مكانك الخاص بتحنيطك”..

وفى خِتامى .. دُمتم بخير

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Grandbetting - Bahis siteleri -

Meritroyalbet giriş