عندما يتحدث القدماء ” عصر الانتقال الأول “

8

رؤية وطن

عندما يتحدث القدماء ” عصر الانتقال الأول “

بقلم : علي سرحان

امتد هذا العصر من بداية الأسرة السابعة إلى نهاية الأسرة العاشرة ويسمى بعصر الانتقال لأنه عصر انتقال من وحدة في الحكم إلى زعزعة الحكم وتفرقه ومن الاستقرار إلى القلقلة وتميز بازدهار أوضاع الطبقة المتوسطة ..
نمت فيه روح الفردية وظهرت عقائد دينية ومبادئ سياسية جديدة ومتحررة ، قلت فيه إمكانيات الدولة وضعفت السلطة المركزية وازداد نفوذ حكام الأقاليم ونشبت ثورات عديدة من جراء سوء الأحوال الإقتصادية والإجتماعية ، ثم عَقبَ هذه الثورات نزاعات بين بيوت وأسرات الحكم وتوقفت بهذا عجلة البناء والتطور الحضاري ..
روى مانيتون أنه تولى الحكم في عصر الأسرة السابعة سبعون ملكًا لمدة سبعين يومًا وربما هؤلاء الملوك كانوا مجموعة من كبار الموظفين أو حكام الأقاليم كونوا حكومة ترأسها كل منهم يومًا واحدًا ..
ثم تجمع سبعة من كبار حكام الأقاليم الجنوبية لمصر العليا في مملكة مستقلة حول حاكم إقليم قفط ليكونوا الأسرة الثامنة واستمرت هذه المملكة الصغيرة ١٠ سنوات ، وذكر باحثون آخرون أنها استمرت ٤٠ سنة ..
وفي أواخر هذه الأسرة تسربت زعامة مصر الوسطى إلى أيدي حكام أهناسيا غربي مدينة بني سويف الحالية ، ومصر الوسطى هي قطاع من الأرض بين مصر السفلى ومصر العليا ، يبدأ من العياط في الشمال وحتى أسوان من الجنوب

أهم أحداث عصر الاضمحلال :
تدعي إحدى النظريات أن انخفاضًا في درجة حرارة الكوكب قد أدى إلى انخفاض مخيف في مستوى الأمطار الموسمية وبالتالي إلى انخفاض مستوى فيضان النيل ..
وأن ذلك الانخفاض في مستوى الفيضان قد تتابع لعقدين أو ثلاثة في أواخر حكم بيبي الثاني حوالي ٢٢٠٠ ق. م ويظهر ذلك في انخفاض مستوى المياه في بحيرة منخفض الفيوم انخفاضًا ملحوظًا .. مما أدى إلى مجاعة هائلة ، ولعل المثل المصري القديم عن انخفاض مستوى النهر حتى لتعبره على الأقدام دليل على تلك المأساة ..
و لما كان هذا الانخفاض في مستوى الأمطار عالميًا فإنه لم يكن يشمل شرق أفريقيا فحسب .. بل امتد إلى الشرق الأوسط .. مما أدى إلى نزوح جماعات هائلة من سكان شرقي النيل وغربه إلي وادي النيل التماسًا للغذاء
و تفصيل ذلك أن البدو رغم الهزيمة المنكرة التي لحقت بهم في عهد بيبي الأول لم يفقدوا الأمل في غزو مصر التي كانت في تلك الفترة تزخر بالثراء والغنى ، وقد سنحت لهم الفرصة في عهد بيبي الثاني لنيل مآربهم إذ كانت الأحوال مهيئة لذلك فقد كان كل حاكم من حكام المقاطعات الوراثيين في الوجه القبلي منهمكًا في المحافظة على مقاطعته التي تعد بمثابة مملكة صغيرة مستقلة ضد المجاعة ..
أما في الوجه البحري فيُحتمل أن القوم كانوا ملتفين حول الملك .. حيث مقر حكمه .. غير أنه ليس لدينا من الوثائق التاريخية ما يحدد لنا الموقف بالضبط ، لكن على أية حال كان موقف الحكومة المصرية في هذا العهد في حالة يرثى لها ..
و كانت الضرائب في مصر تحدد سنويًا على أساس مستوى الفيضان على أساس مقدار ما يمكن للفلاح زراعته لا على ما يزرعه فعلًا ، وربما كان ارتفاع الضرائب في ظل انخفاض المحاصيل هو الشرارة الأولى التي أدت إلى أول ثورة اجتماعية سجلها التاريخ ..
و قد كان من جراء امتداد الفوضى أن ساد البلاد الخوف وانتشر القحط ، وعم الانحلال الخلقي وعدم المبالاة بالتقاليد الدينية والمعتقدات الموروثة ، وليس لدينا وثائق تاريخية تنير لنا الطريق خلال هذا العصر المظلم اللهم إلا معلومات ضئيلة جدًا .. لكن من جهة أخرى قد أسعفتنا الوثائق الأدبية الشعبية مما يمكن أن نسميه مراثي الدولة القديمة ، وترجع معظمها إلى أوائل الدولة الوسطى ..
والواقع أن أزمة هذا العصر قد طال أمدها فأثرت على أذهان القوم ، وبخاصة على أفكار الحكماء وأهل الفكر وعلى خيال القصاصين ، فنراهم يصورون ما حاق بالبلاد من ضعف وشدة وما قاست من ويلات وخراب بعبارات مؤثرة قوية خارجة من الأعماق .. بينما يشير بعضها الآخر إلى غزو الساميين حاملي السهام ..
و أهم ما وصل إلينا من هذا العصر كتاب تحذيرات ايب ور ، وهو من الكتب الأدبية النادرة في حسن تركيبها وتأثيرها في النفس ، حتى أن أدباء العصور التالية كانوا يحتذون منه نموذجًا أدبيًا يدرس ، ولا نبالغ إذ نقول أن هذه القطعة الأدبية تصف لنا أول انقلاب اجتماعي معروف في التاريخ ..
ولعلنا لا نبالغ إذا ما شبهناه بالثورة البلشفية في أوائل القرن العشرين وموضوع هذه التحذيرات هو أنه حاقت بالبلاد مصيبة شنعاء في عهد أحد حكام الأزمان القديمة ، فثار عامة الناس على الموظفين وعلية القوم .. وعصى الجند المرتزقة من الأجانب قادة البلاد ، ويحتمل أن الساميين قد هددوا الحدود الشرقية أيضًا ، وبذلك انحل الحكم المنظم في مصر بالجملة .. لكن الملك الطاعن في السن كان يعيش في طمأنينة في قصره ، لأنه كان يغذى على الأكاذيب ..
وعندئذ ظهر حكيم يدعى إي بور وأخبر الملك بكل الحقيقة فوصف له البؤس الذي عم البلاد وتنبأ بما سيأتي بعد ، وحرّض سامعيه على أن يحاربوا أعداء البلاد ، وذكّرهم بأن العبادات لابد أن تعاد إلى ما كانت عليه ..
و العهد الذي حدث فيه هذا الانحلال لابد وأن يكون في نهاية الدولة القديمة ، وذلك لأنه في ختام الأسرة السادسة اختفت مصر عن الأعين فجأة وصارت في ظلمة كأن مصيبة عظمى قد نزلت بها ، وأن ما ذكر هنا من أن الملك الذي كان يخاطبه الحكيم كان مسنًا ليتفق تماما مع الحقائق التاريخية ، لأن الملك الذي اختفت معه الدولة القديمة لابد وأن يكون بيبي الثاني الذي جلس على العرش في السنة السادسة من عمره ، وحكم أربعة وتسعين عامًا .. كما نقل المصريين أنفسهم ..
يبتدئ المتن بوصف البؤس العام الذي حل بالبلاد من سرقة وقتل وتخريب وقحط ، وتفكك الإدارة والقضاء على التجارة الخارجية ، وغزو الأجانب وتولية الغوغاء مراكز الطبقات العليا ، فيذكر الحكيم أن أهل الصحراء قد حلوا مكان المصريين في كل مكان وأصبحت البلاد ملآي بالعصابات .. حتى أن الرجل كان يذهب ليحرث أرضه ومعه درعه ، وشحبت الوجوه وكثر عدد المجرمين ولم يعد هناك رجال محترمون .

المراجعة اللغوية لـ : إسراء نشأت

Grandbetting - Bahis siteleri -

Meritroyalbet giriş