طقوس تأسيس المعبد المصري القديم

84

رؤية وطن

طقوس تأسيس المعبد المصري القديم

بقلم : ندى محمود غريب

في ظل التطور الذى نشهده حاليًا حول إتاحة كافة الوسائل التكنولوجية الحديثة في العديد من المجالات وبخاصة مجال العمارة وما نشاهده من منشآت معمارية والافتتاحات الضخمة التى تصحبُها مازلنا نتعجب حول كيفية إنشاء تلك الأبنية ، ولكن ما يستحق التعجب هنا ويثير الدهشة هو ماذا فعل المصرى القديم وماذا استخدم من وسائل حتى يقيم منشآته الحضارية الخالدة حتى وقتنا الحالى ؟!
منذ البداية اعتقد المصرى القديم في البعث والحياة مابعد الموت فآثر الآخرة عن حياته الدنيا ، وبالتالى اهتم بالمعابد والمقابر عن منزلهِ الذى يسكن فيه باعتبار أن المنازل زائلة لا محالة وأن المقابر هي المنازل الأبدية .. فنراه بنى منزله من قوالب من الطوب اللبن وقبل البناء باللبن استعمل أعواد القش وسعف النخيل وفروع الأشجار ، على عكس أنه قام ببناء مقبرته من الحجر بل ومن أجود أنواع الحجر كما ابتكر الوسائل التى تحافظ على جثته من التحلل حتى يضمن عملية البعث .. وباعتبار المعابد هى منازل الآلهة التى يُكِن لها كل التبجيل والاحترام فأصبحت مصب اهتمامه وسعى في إنشائها وتخصيص أفضل المهندسين للإشراف عليها بأمر خاص من الملك ..

طقوس تأسيس المعبد المصري القديم
طقوس تأسيس المعبد المصري القديم

عُرفت هذه العملية باسم ” شعيرة تأسيس المعبد ” وفي البداية كان يتم اختيار قطعة أرض طاهرة في مكان يصلح لبناء المعبد ثم يتم تنظيفها وتسويتها وإمدادها بكل مايلزم لعملية البناء ، وهنا نستعرض الآتى :
– إذا كان المعبد من الطوب اللبن كان يتم عجن الطمي وخلطه بمواد تزيد من صلابته ووضعه في قوالب مستطيلة الشكل تترك في الشمس حتى تجف ثم تحرق وبالتالي تكون جاهزة للإستخدام
– أما مع بداية البناء بالحجر فكان يتم جلب الأحجار من المحاجر المخصصة بطُرة -على سبيل المثال- وتقطعيها ونقلها فى مراكب عبر نهر النيل ثم تجر بواسطة زحافات
ثم تأتى المعبودة ” سشات ” إلهة الكتابة والحساب والعلوم عند المصريين القدماء ومعها الملك ، ويقفان على تلك الأرض ليقوما بعملية تحديد مساحتها وذلك من خلال تثبيت أربعة قوائم في أركان الأرض الأربعة على حسب الجهات الأصلية بدايةً من الشمال وانتهاءً بالغرب ، ثم يقوم الملك والمعبودة بمد حبل بين هذه القوائم لتحديد الأبعاد والاتجاهات والمساحة وبذلك تصبح الأرض مُعدة للبدء فى العمل ( مع الأخد أن كل خطوة كانت تتم في مراحل الإنشاء كان لها مدلول معين خاصة في الديانة المصرية القديمة ) ..

بعد ذلك يتم عمل حُفر فى كل ركن من أركان المعبد وأسفل الأبواب أيضًا ليأتى الملك ويقوم بوضع ودائع الأساس في جميع هذه الحفر ( كانت تلك الودائع عبارة عن قرابين من اللحوم والفواكة والزيوت والحبوب بجانب بعض الأواني والأحجار الكريمة وقطع وأدوات مختلفة مسجل عليها اسم الملك الذى أمر ببناء المعبد ، وكان الهدف منها هو أن توضع أسفل أرضية المعبد للاعتقاد في أنها تحمي المعبد من دخول أرواح الشر وتجلب أرواح الخير ) ثم تُغطى الحفر بالرمال الطاهرة ويقوم الملك بالتطهُر بالماء المقدس والبخور ويقدم قربانًا من رأسي أوزة وثور ..
وفي هذه الأثناء يتم عمل أربع لَبِنات من الطمي مستطيلة الشكل والتي تعرف باسم “حجر الأساس” فيتم عزق الأرض لعمل أساسات المعبد وملء الثغرات والحفر بالرمال ثم يقوم الملك بـ “وضع حجر الأساس” من خلال هذه اللبنات في أركان المعبد الأربعة وسد أي حفرة بالرمل بهدف عدم تسرب المياة الجوفية ، وبالتالي يستكمل المهندسون والعمال عملية البناء ..
وبالقرب من الانتهاء يقوم الملك رمزيًا بعمل كسوة الجدران ( المحارة حاليًا ) من مادة الوب بسن “wb bsn” وهي طبقة من الملاط عبارة عن معجون الجبس أو الجير وكان الغرض منها التطهير والتنظيف والتلميع إلى جانب أنها حملت غرضًا دينيًا آخر وهو سد الثقوب التى تتخلل الجدران حتى لا تنفذ منها الأرواح الشريرة ..
وبعد الانتهاء من تشييد المعبد يتم اختيار ليلة رأس السنة المصرية وذلك في فجر اليوم الأول من فصل الفيضان وهو موعد طقسة الختام وهو ما نطلق عليه في مجتمعنا الحالي ( حفل الافتتاح ) ، حيث تبدأ المراسم فتُضاء الشموع وتُشعل المشاعل ويُقام احتفالًا كبيرًا يحضره عامة الشعب والموظفون وعلى رأسهم كبار الكهنة ، ويأتي الملك في موكبه وسط حاشيته ممسكًا بعلامة “حِت” أو “حوت” ليقوم بتكريس المعبد للمعبود الذى شُيد من أجله ، وتسمى هذه الطقسة بـ “شعيرة إهداء المعبد لسيده”، ومن ثم يقف الملك على باب المعبد ويأتي بتمثال المعبود ويضع عليه الدهون العطرية ثم يطرق الباب ويبدأ بالدخول ليضع التمثال في المكان الذى خُصص له في المعبد ، وبذلك يستقر المعبود في منزله ويكون الملك قد أتم مهمة تسليم المعبد إلى صاحبه ، فتُقدم القرابين والهبات وتُقام الاحتفالات على شرف هذا المعبود .. كما يمكننا مشاهدة هذه الشعائر جميعها مُرتبة على جدران معبد إدفو في صعيد مصر .

المراجعة اللغوية لـ : إسراء نشأت