مصر هبة النيل …..دراويش مصر وعشاقها 2

29

كتبت: سحر إبراهيم

 

يا مصر ما اكتر عشاقك

مصر الوطن الثاني

 

“في جميع الأحوال فإن مصر هي واسطة كتاب الجغرافيا تحولت الى فاتحة كتاب التاريخ. وفي جميع الأحوال أيضاً فإن السبق الحضاري ملمح أساسي بلا نقاش في شخصية مصر”.

 

إنها سطور من كتاب “شخصية مصر “لجمال حمدان نستشف منها كثير من التميز لهذه الأرض وهذا الشعب لم يكن صدفة أو مجرد أمر عابر بلا تأثير حالة فريدة تختص بها مصر قلب العالم وأم الدنيا.

مصر هبة النيل .....دراويش مصر وعشاقها(2)
مصر هبة النيل …..دراويش مصر وعشاقها(2)

للمزيد من المقالات أضغط هنا

ولتعلم أن مصر حقا ” أم الدنيا ” فبالرغم من أننا لا نعلم قائلها ومتى قالها إلا أنه من المؤكد لم يكن يدري أنه سبق علماء الوراثة والجينات الذين اكتشفوا أن أشباه البشر، كانوا من مصر وارتحلوا منها لآسيا وأوروبا.

القائلون بهذه الحقيقة الجديدة، هم ثلاثة من علماء الوراثة نشروا بحثاً معززاً بتحاليل حمضيات نووية، وأفردت له دورية العلمية الشهرية

American Journal of Human Genetics ،

توصلوا فيه إلى أن الإنسان الحديث كان تجمعه الأول في مصر بعدما وصلها في الهجرة من إثيوبيا نحو الشمال حيث بدأ منها الإنسان العاقل في الانتشار في مختلف بقاع الأرض وبذلك تكون مصر بوابة انتشار الإنسان العاقل في العالم حيث قامت الدراسة بعمل فحص لجينات 225 مصريا وإثيوبيا واستدلت الدراسة على أن طفرات أحماض الأوروبيين النووية من المصريين .

 

تتابعت على أرض مصر الحضارات فكانت مهدا مهداً للحضارة الفرعونية وحاضنة للحضارات الإغريقية والرومانية و للحضارة القبطية بل وظلت بعد دخول الإسلام إليها القوة المدافعة والحامية للحضارة الإسلامية .ورغم تعاقب الدخلاء لم تطمس الشخصية المصرية لم تفقد مصر هويتها أمام أي مستعمر بالرغم من فترة الحكم الطويلة للدولة العثمانية ما يقرب من ٥٠٠ عام فلم نتحدث باللغة التركية وكذلك الحال مع أعوام الحملة الفرنسية و سنوات الاحتلال الإنجليزي الطوال لم تؤثر في لغة المصريين أو تجعلهم يتشدقون بغير لغتهم.فمصر تمتلك معدة حضارية هاضمة بل بالعكس كانت مصر يوما ما تمتلك أن تصدر لهم ثقافتها فيتأثرون بها و يندمجون في نسيجها .

 

لذا كانت قادرة على دمج محبيها في نسيج عشقها المحتوم ومن هؤلاء المحبين نذكر :

 

• اليونانيون في مصر

 

فالعلاقة بين الشعبين أكثر العلاقات متانة وعمقا تاريخيا. بل إن أشهر المقولات التي تصف مصر وأحتفظ بها التاريخ حتى وصلت إلينا و رددناها باعتزاز تلك التي أطلقها المؤرخ اليوناني هيرودوت أبو التاريخ “مصر هبة النيل” .

 

أما عن الجالية اليونانية في العصر الحديث فقد انسجمت مع مختلف طبقات الشعب المصري واختلطت بكل طوائفه فلم يكن اليونانيون في مصر كيانًا منفصلا أو ينتمي لطبقات الأجانب المتعالين بل كانوا جزءًا من نسيج المجتمع المصري فكما كان منهم كبار الصناع والتجار ومن شغلوا مناصب ووظائف متنوعة الدرجات كان منهم تجار متوسطين وصغار وبينهم فئة من أصحاب الحرف والعمالة الخدمية حيث تنوع المستوى الثقافي و السياسي لهم وتوغل أبناء الجالية اليونانية في كافة أرجاء مصر شمالها وجنوبها في المدن الكبرى والمدن الصغرى، في الريف والحضر، في الدلتا والصعيد.

 

ونذكر من مواقف اليونانيين العديدة المساندة للمصريين موقفهم من ثورة 1919 حيث أشار المؤرخ المصرى الرائد محمد صبري الشهير بالسوربوني في كتابه ” المسألة المصرية” إلى مشاركة و تضامنً بعض الجاليات الأجنبية مع مطالب الشعب المصري، خاصة اليونانيين بل سقط بعضهم شهيدا أثناء أحداث الثورة فيقول: “ولكي يبدي اليونانيون تعاطفهم مع مصر، اجتمعوا بميدان الأوبرا وساروا بعدئذ في شوارع القاهرة يهتفون لمصر والمصريين؛ وأكثر من ذلك، فعندما استقبل القنصل اليوناني وفدًا من الأعيان المصريين الذين كانوا يودون الإعراب له عن تعازيهم في موت رعايا يونانيين اشتركوا في المظاهرات، قام بإلقاء خطبة استمرت ساعةً ونصفًا، حيث قال: “إننا نقدم هؤلاء الموتى تضحية على مذبح حريتكم”.

 

موقف آخر نذكره في عام 1956 أثناء الأزمة التي أعقبت قرار الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس حيث قررت الشركة العالمية لقناة السويس سحب المرشدين الأجانب إلا أن المرشدين اليونانيين واصلوا عملهم جنبا إلى جنب مع زملائهم المصريين حتي لا يتحقق ماسعت إليه الشركة من إحراج مصر فظلت القناة تعمل.

 

وفي أعمال المقاومة الشعبية في بورسعيد. وأثناء العدوان الثلاثي في 29 أكتوبر 1956 انضم اليونانيون والقبارصة إلى صفوف المقاومة الشعبية وسقط منهم شهداء في أرض المعركة .

 

نذكر هنا من أبرز الشخصيات الشاعر اليوناني الشهير كونستانتين كڤافي والذي لقب بشاعر الإسكندرية لولعه بها ولد ومات فيها وكذلك بيريكليس مونيوديس الذي كتب عن بقايا اليونانية في المدينة، وجورجيوس سيفيريس الذي فتنه قمر الإسكندرية، والشاعرة أفيجيني بينزوده التي ناجت الإسكندرية وكفاح أهلها، وكتبت عنها إليزابيث تسارس 16 كتابا تمجد تاريخها عبر السنين، ولعل أفضل تعبير عن التأثير اليوناني في مصر ما قاله فورستر: «على حافة البحر واليابس، توسطت المدينة بين المتناقضات، بين مصر واليونان اللتين لا تميل كلتاهما إلى البساطة»

 

• قالوا عن مصر :

 

“إن مصر وطنى وإسرائيل تعادى مصر إذا فهى بلد معادية ولا أتشرف بزيارتها”. استيفان روستي

 

قالها الفنان الشهير ذو الأصول الإيطالية استيفان روستي حين تم دعوته لزيارة إسرائيل

بعد طرد الفنان استيفان روستى من مصر ضمن الجالية الإيطالية وصلته رسالة من السفارة الإسرائيلية فى إيطاليا تدعوه لحضور حفل تكريم فى تل أبيب لتصوير عدة أفلام بمقابل مادى كبير فكان رد هذه الكلمات لأبلغ رد من الفنان وحين علمت الحكومة المصرية بموقفه سمحت له بالعودة إلى مصر من جديد و استأنف أعماله فى مصر حتى وفاته عام ١٩٦٤م.

 

“إن وطني الحقيقي هو أرض مصر ذات الروحانية والحسية والجدية والتقشف والطيبة حيث أبقى كل شيء على فخامة ونبل التراتبية. هكذا أفكر وهكذا سأستمر في التفكير، لأني لم أصادف ما يغير تفكيري من هذه الناحية، طوال عشرين عامًا. لقد جعلني الشرق أفهم الآثار والجمال التشكيلي والأفلاطونية والحضارات البائدة والمعشوقة. لقد ظهر المسيح في الشرق ولا تزال النكهات الرمزية والتقية تنشر حلاوتها الأخوية. نحن نعيش هناك معًا، نتشارك في الضيافة ونحافظ على الأخلاقيات المهذبة والتصرفات الراقية. كم من الأيام قضيت أسكر بفكرة هذا الوطن العظيم.”

إميل برنار

 

تلك كانت الكلمات التي قالها الرسام الفرنسي إميل برنارد بعد أن ترك بلاده عام 1893 وكان عمره لا يتجاوز 25 عامًا ويبدأ فصلاً جديدًا في حياته وعمله. ففي هذه السن الصغيرة، كان برنارد قد أصبح بالفعل رسامًا مبتكرًا من رسامي الطليعة وفي مقدمة الفنانين الأكثر ابتكارًا في مجال الفن. و بعد أن ارتحل إلى القدس غادرها إلى بورسعيد، ثم الإسكندرية، ثم طنطا حيث عمل في كلية سان لويس لتزيين الكنيسة بصور من حياة القديس راعي هذه الكنيسة، قبل أن يصل أخيرًا إلى القاهرة.

 

كانت فترة استقراره في مصر منتجة للغاية حيث أحب إميل برنارد تصوير الحياة اليومية بالقاهرة في لوحاته. وبدأ في القاهرة بتزيين كنيسة شبرا.

ثم تزيين كنيسة العذراء في الكاتدرائية. والتي اعتبرها كثيرون اعترافًا بموهبته و في هذه الكنيسة، رسم إميل برنارد أيضا تكوين كبير قائم على موضوع “رحلة العائلة المقدسة إلى مصر.

 

وتختتم القول بمقولة الكاتب المصري الكبير نجيب محفوظ ولخص فيها مكانة مصر الحقيقية عبر التاريخ :

“مصر ليست مجرد وطن بحدود… ولكنها تاريخ الإنسانية كله”.

 

Grandbetting - Bahis siteleri -

Meritroyalbet giriş