شهيدة العشق الإلهي

118

كتبت : حنان مرسي

 

 

-صورتها السينما راقصة غارقة في المجون لكنها كانت غارقة في الزهد والتعبد .

-يا أبتِ إتقي الله ولا تطعمنا إلا من حلال …..رابعة في العاشرة من عمرها .

-أرءيت إن لم يخلُق جنة ولا ناراً أما كان أهلاً لأن يُعبَد….من أجمل أقوالها

-سمعت صوتاً يقول لها لا تحزني يوم الحساب المقربون في السماء سيحسدونك .

ليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ

وليتك ترضى والأنامُ غِضابُ

وليت الذي بيني وبينك عامرٌ

وبيني وبين العالمينَ خرابُ

إذا نلتُ منك الودِ فالكل هينٌ

وكل الذي فوق الترابِ ترابُ

 

تلك الكلمات النورانية لشاعرة قضت عمرها تهيم في حب الله تعبدت وزهدت واعتزلت العالم فكان محرابها يشهد في اليوم والليلة أنها تقوم بما يقرب من ألف ركعة وكانت تنظم أشعارها سابحةً في ملكوت الله .

شهيدة العشق الإلهي
شهيدة العشق الإلهي

للمزيد من المقالات أضغط هنا

حياة رابعة العدوية

 

إنها “رابعة العدوية ” أم الخير شهيدة العشق الإلهي مؤسسة أحد مذاهب التصوف الإسلامي القائم على الحب الخالص لله تعالى المتنزه عن أي رغبة في جنة أو خوف من نار وإنما

لأنه جلَ وعَلَا أهلٌ لذلك .

 

وإذا تابعنا حياتها منذ النشأة نجدها عانت و تجرعت الألم بكل معانيه وعرفت معنى اليتم والوحدة والفقر والخوف

فقد ولدت في أسرة فقيرة في مدينة البصرة بالعراق عام 100 هجريا الموافق 417 ميلاديا وإسمها ” رابعة بنت إسماعيل العدوي” ذلك الأب الفقير الذي رُزِق بها بعد ثلاثة بنات ولذلك سُمِيت برابعة .

 

وكان الأب يملك قارباً صغيراً لنقل الناس في أحد أنهار البصرة وقد أطلق عليه جيرانه “العابد” لما شاهدوه منه من ورع ،وعبادة، وإخلاص لله تعالى ، ولذلك نشأت رابعة تنشئة إسلامية ملتزمة فحفظت القرآن الكريم وقرأت الأحاديث وتدارستها وحافظت على الصلاة منذ الصغر .

 

وفي العاشرة من عمرها توفى الأب وتبعته الأم فذاقت رابعة

مرارة اليتم الكامل وكُتِب عليها الشقاء حيث كانت تعمل على قارب والدها إلا أن الفقر والمرض دَبَ في مدينة البصرة

ووصل إلى حد المجاعة فتركت بيتها ، وهربت هي وإخوتها

أملاً في الخلاص لكن الأقدار فرقتها عن إخوتها ، وأصبحت وحيدة مشردة في وقتٍ إنتشر فيه اللصوص وقُطَاع الطرق

في البصرة فخطفها أحد اللصوص وباعها بستة دراهم إلى

تاجر قاسي كان يذيقها من العذاب ألواناً حتى أنها كانت

تناجي ربها مستنجدةً به .

 

ورآها سيدها ذات ليلة تصلي وفوقها قنديل منير بغير سلاسل

والنور يملأ البيت كله ففزع وتأثر من ذلك المشهد فأعتقها

واختارت لنفسها كوخاً صغيراً في ضواحي البصرة فأقبلت

على الزهد والخلوة والعبادة فقد رأت أن لا ملجأ لها من هذه الدنيا غير الله.

 

ولم تهتم بنشر أفكارها كغيرها من الصوفية لكنها آثرت الاعتزال إلا أن الناس انجذبوا لنورها الروحاني وكان لها

من المريدين كُثُر منهم سفيان الثوري ،ومالك بن دينار ،

والزاهد رباح القيسي

 

بعض ما ورد عن رابعة من أقوال وأشعار

 

ومن أجل أقوالها ” اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم ”

كما ورد عنها ” محب الله لا يسكن أنينه وحنينه حتى يسكن مع محبوبه ”

ومن أجمل أشعاره

 

عرفت الهوى مذ عرفت هواك

وأغلقت قلبي عمن سواك

وكنت أناجيك يا من ترى

خفايا القلوبِ ولسنا نراك

أحبك حبيْن حب الهوى

وحباً لأنك أهلٌ لذاك

 

وفاتها

 

وتوفيت رابعة عام 180 هجريا الموافق 797 ميلاديا

ودفنت بالبصرة وتخليداً لذكراها أنشئ مسجد رابعة العدوية

في القاهرة عام 1963 في مدينة نصر وأطلق إسمها على

الميدان المقابل للمسجد .

 

كيف تناولت السينما حياة رابعة

 

مما يجدر بالذكر أن السينما تناولت حياة رابعة العدوية

في أحد أفلامها إلا أن التشويه الدرامي أصاب النصف الأول من حياة رابعة وصورها راقصة غارقة في حياة المجون والخمر والملذات فهذا شيء بعيد كل البعد عن الصحة وإفتراءً على هذه العذراء البتول التي رفضت الزواج لتكرس حياتها لعبادة الله .

 

وقد دافع عن رابعة بالبراهين المستندة على تنشئتها الدينية الملتزمة عدة من الأدباء والعلماء والفلاسفة مثل :

-الفيلسوف عبدالرحمن بدويفي كتابه “شهيدة العشق الإلهي”

-أبو حامد الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين”

– الدكتور “عمر فروخ ” الأديب اللبناني في كتابه ” تاريخ الأدب العربي ”

– إبن خُلَكان في كتابه “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان”

– زينب فواز في كتابها ” الدر المنثور في طبقات ربات الخدور”

– الزبيدي ، بنت الشاطئ ، وداد السكاكيني

 

فقد كانت وستبقى رابعة العدوية أيقونة للعشق الإلهي الخالص ورمزاً للزهد والتقوى .

 

آراء بعض العلماء في تشويه سيرة رابعة

 

الشيخ محمد العوضي

عضو الهيئة الإسلامية العالمية للإعلام لرابطة العالم الإسلامي

والمشرف العام على مؤسسة ركاز لتعزيز الأخلاق

 

وهو يقول عن رابعة أنها إمرأة زاهدة من القرن الثاني للهجرة واجهت تهمة بشعة في عِرضها كما صورتها السينما في النصف الأول من حياتها وذلك قد يكون لأغراض

درامية ، ولكن ذلك بعيد كل البعد عن سيرتها الحقيقية

ويجب تحليل الموضوع بمنهجية التفكير .

 

فإن كنا ناقلين علينا بالصحة وإن كنا مدعين فعلينا بالدليل

إذ أنه كيف من تطلب من والدها وهي في العاشرة من عمرها أن يطعمهم من حلال وتقول:

” يا أبتي إننا نستطيع أن نصبر على جوع الدنيا ولكن لا نستطيع أن نصبر على عذاب الله في نار جهنم ”

 

وعليه كيف تكون من تربت وغُرِس فيها الخوف من الله

منذ الصغر أن تكون عاصية له مهما كانت الضغوط عليها .

 

الشيخ حلمي موسى

 

أوضح الداعية حلمي موسى أن الكثيرون اختلفوا في تحديد شخصية رابعة العدوية فقد صورتها السينما كفتاة لاهية تمرغت في حياة الغواية ، والشهوات في حين أنها غير صحيحة ابداً ومشوِهة لرابعة .

 

وذلك لأن نشأتها إسلاميه صالحة فقد حفظت القرآن وحافظت على الصلاة والتفقه في الدين ، وعاشت طوال حياتها عذراء بتول بالرغم من تقدم أفاضل الرجال لخطبتها لكنها رفضت أن تشرك أحداً في حبها لله أو يشغلها عن عبادته .

 

الحبيب علي زين العابدين الجفري

 

رأى الشيخ علي الجفري أنها تنادي بخلوص التوحيد فهي لا تشرك مع الله أحداًولا الجنة ولا النار وذكر أن من أدعيتها :

 

” اللهم إن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فلا تدخلوها وإن كنت أعبدك خوفاً من نارك فأدخلنيها إني أعبدك لأنك أهلٌ لأن تُعبد”

وذكر أنه ورد عنها في الأثر أن أحد السارقين دخل محرابها وأراد بها سوءاً فتظاهرت بالموافقة واشترطت عليه أن يغتسل ويصلي ركعتين فوافق ، فوجهت السيدة رابعة قلبها

إلى الله وقالت:

” يا ربِ أما ظاهره فقد أوقفته في المحراب وأما قلبه فإليك”

ولما إنتهى الرجل من صلاته فإذا به الوجه غير الوجه الذي دخل به فقالت له رابعة : هل ما زلت تريد شيئاً ؟

قال : أما الآن فلا …جزاكِ اللهُ عني خيراً

وخرج من الصالحين العابدين الأتقياء

 

فذلك القلب الطاهر حاشا لله وكلا أن يكون من العاصين يوماً من الأيام فقد حصنها ربُها بالعفة والصلاح .

 

رحم الله أم الخير رابعة العدوية التي تُعَد رمزا من رموز الصوفية الإسلامية ، شهيدة العشق الإلهي مثال الزهد والتقوى عاشت فقيرة وحيدة يتيمة لكنها عند الله غالية

فقد خلّد ذكراها العطرة على مر السنين والقرون .

 

Grandbetting - Bahis siteleri -

Meritroyalbet giriş