مساهمة الذكاء الاصطناعي في تعزيز اللغة العربية وصونها

30

 

بقلم: دكتور سلامة عمر

تُعد اللغة العربية من أقدم لغات العالم استخدامًا وأكثرها انتشارًا، حيث تستمد خلودها وانتشارها من كونها لغة القرآن الكريم مما جعل عمقها وحضورها فاعل تاريخيًا وحضاريًا، واللغة العربية هي أكثر لغات المجموعة السامية انتشارًا، كما أنها واحدة من أكثر اللغات انتشارًا في العالم حيث يتحدثها أكثر من 422 مليون نسمة، ويتوزع متحدثوها في منطقة الوطن العربي، بالإضافة إلى العديد من المناطق الأخرى المجاورة.مساهمة الذكاء الإصطناعي في تعزيز اللغة العربية وصونها

مساهمة الذكاء الإصطناعي في تعزيز اللغة العربية وصونها
مساهمة الذكاء الإصطناعي في تعزيز اللغة العربية وصونها

ولقد أثبتت اللغة العربية قدرتها الهائلة على التفاعل والتأثير، الأمر الذي أسهم في تعامل المنظمات الدولية معها بإيجابية، حيث جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 ديسمبر 1973م بإدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل المقررة في الجمعية العامة ولجانها الرئيسة، ومنذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا أصبح العالم أجمع يحتفي سنويًا باليوم العالمي للغة العربية، وقد دفعنا التطرُّق إلى موضوع اللّغة العربيّة والذكاء الاصطناعيّ للرجوع إلى الجذور، ولكنْ ليس في ما يخصّ اللّغة، فجذورها معروفة وواضِحة، بل إلى جذور التّداخُل بين التقنيّات المعلوماتيّة واللّغات الطّبيعيّة، بما فيها اللّغة العربيّة.

وهذا التداخل بين المعلوماتيّة كعِلم والعلوم اللّغويّة أدّى إلى ظهور ما نسمّيه حاليًّا “حَوسبة اللّغة” أو “اللّسانيّات الحاسوبيّة”، وهي من أولى العلوم الجديدة المُنبثِقة عن هذا التداخُل البَيْنيّ الذي كان أساس بروز مفهوم الذكاء الاصطناعيّ, والتكنولوجيا اللغوية هي دراسة علمية للغة طبيعية من منظور حاسوبي يحاكي نظام عمل الدماغ البشري، وبات من الضروري أن نهتم ببناء التكنولوجيا اللغوية لأسباب كثيرة، من أهمها: نشر المعارف اللغوية بأنواعها وتيسير الوصول إليها، وتسهيل عملية التواصل المعرفي والبناء العلمي للمعارف والنظريات اللغوية بين المشتغلين بالعربية.

إنّ حَوسبة اللّغة هي مجموعة من التطبيقات التي تَستخدم خوارزميّات الذكاء الاصطناعيّ في حلِّ المَسائل اللّغويّة، فالتطبيقات التي ترتكز على خوارزميّات الذكاء الاصطناعي “التعلُّم الآليّ والتعلّم المعمّق” تهدف إلى جعْل ما هو مُضمَر في النصّ واضحًا للآلة، أي لا لبس فيه، وذلك من خلال بناء برمجيّات “تتعلّم” من التجارب السابقة، بحسب المدوّنات التي ترتكز عليها خلال مرحلة التعلّم الآلي؛ فاللّبس اللّغوي والغموض وعدم التحديد المعنوي هي ظواهر أساسيّة في اللّغة، ولولاها لما كان باستطاعتنا القيام بعمليّة التواصل المتشعّبة والمُتباينة والمُتناقضة، ولَوقعْنا في معضلةِ محدوديّة التعبير.

الصعوبات والتحديات:
إنَّ اللّغة المتمثّلة بالخطاب والنصّ، ليست عمليّة متكرّرة، واستخدام الكلمات نفسها لا يجري بالطريقة نفسها خلال التعبير الشفهي والكتابي، أي أنّنا لا نستخدمها بالمعنى نفسه في لحظات وسياقات مُختلفة، ما يدفعنا إلى البحث عن أدوات ترفع اللّبس اللّغوي، فهل هذا مُمكن؟ هل الآلة تفكِّر؟
لا، الآلة لا تفكّر كما يفكّر العقل البشري، بل تنفِّذ مجموعة من العمليّات الحسابيّة التي تتناسب مع التركيبة الفيزيائيّة للحواسيب المبنيَّة على تبادُل شحنات كهربائيّة بين الخلايا الصناعيّة داخل الحواسيب.
ولعلّ أبرز تحدّيات التعرُّف الآليّ إلى الكلمات هي ظاهرة الادماج على سبيل المثال، في كلمة “فهم”، هل “الفاء” هي جزء من الكلمة أو أنّها “فاء” العطف؟ وكذلك التشكيل يعدّ أيضًا جزءًا من الصّعوبات في التعرُّف إلى الكلمة، فكلمة “فهْم” من دون تشكيل قد تُقرأ بأشكالٍ مُختلفة: فهمٌ، فهَّمَ، فَهِم! وإذا تعرَّفنا إلى الكلمات، هل سنتعرَّف إلى معانيها! ففي السياقات المُختلفة تأخذ الكلمات معاني مُختلفة، فكلمة “العين” تعني” العضو المسئول عن حاسة الإبصار” وليست نفسها العين التي تعني “حرف الهجاء”! طبعًا، بحسب (لسان العرب) لابن منظور، فإن كلمة العين تمتلك قرابة خمسين معنى، لذا فإنَّ صعوبة التعرُّف إلى الكلمات تؤدّي إلى صعوبة التعرُّف إلى التركيب النحوي، ومن ثمّ صعوبة بناء المعنى الدلالي للجملة، هذا إذا ما كنّا نتحدَّث عن التعرّف إلى مضمون النصّ من كلماتٍ وجُمل، ولكنْ تبقى أمورٌ عديدة، منها السياق الخارجي للنصّ والزمان والمكان النصّي وغيرها من الظواهر التي تؤدّي دَورًا في بناء المعنى.

ختامًا:
إنّ ذكاء الآلات ليس سوى حساب لشحنات إلكترونيّة داخل الحاسوب، والإنسان هو مَن يعطي هذا الحساب معنى، فالفروقات بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي ما زالت عميقة، والذكاء الاصطناعي هو حتّى اليوم، اصطلاحٌ دعائيّ، ذلك أنّ الحواسيب تقدِّم أجوبة وفقًا للخوارزميّات التي كَتبها الإنسان، ولحسن الحظ، إنّ الذكاء البشري ليس رقميًّا، وإلّا كنّا جميعنا مُتشابهين أو مُستنسَخين، وأرجو أن لا نصل إلى هذه الحالة التي تنتهي بها فردانيّة كلّ شخص وخصوصيّته، وتنتهي بالتالي هويّتنا، إنّ الخوف من التقنيّات لا يكمن في محاولة بناء برمجيّات تُحاكي الذكاء البشري، بل تقريب الإنسان وترويضه ليُصبح كالآلة! ومن المهم جدًا توظيف الذكاء الاصطناعي في اللغة العربية وذلك للحاق بركب التطور العلمي واللغوي في العالم وإدخال لغتنا في شتى أنواع الأجهزة والتقنيات الحديثة المتاحة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في اللغة العربية كثيرة ولكن علينا أن نبرزها ونطورها، وذلك بالإيمان بأهمية وقوة اللغة العربية، بدلًا من السخرية منها، فهي لغة القرآن الكريم، كلام رب العالمين.

ومن المؤكد ..أن الاهتمام بالذكاء الاصطناعي يسمح بالقيام بخطوات جبارة في مجال خدمة اللغة العربية، وجعلها في مستوى اللغات العالمية، من حيث مواكبة التقنية، ومن حيث التنافسية معها، حيث يكون المجال متاحًا للوصول إلى شرائح واسعة من الناطقين بغير اللغة العربية التواقين لتعلم لغة الضاد.

Grandbetting - Bahis siteleri -

Meritroyalbet giriş