قصة غير قصيرة

82

بقلم : ريهام المكاوي

شردت علياء ببصرها في الأفق البعيد وهي تنظر من خلف النوافذ الزجاجية الضخمة في الطابق الأول ببرج إيفل بباريس وتنظر إلي الحدائق والطرق العامة والقصور والمشاة ، بينما كانت نبيلة تطلب طعام الغداء من داخل المطعم الموجود في الطابق الأول وحينما قدمت نبيلة علي صديقتها علياء فنادت عليها قائلة ” هيا يا علياء لقد جاء طعام الغداء لنتناوله ونكمل جولتنا في البرج” كانت علياء تشعر بسعادة لا توصف في داخلها فهذه هي المرة الأولي التي تقوم فيها بفعل شيء مختلف وفي الترفيه عن نفسها ، لقد كانت لا تحيا الحياة بشكلها الصحيح وكانت تعيشها كمجموعة من الظروف التي تفرض عليها من قبل المجتمع حتي بعيداً عن الشرع والدين في كل شيء ، لقد كانت علياء تحكم علي نفسها أحكام قاسية ولا تضعها في قدرها الحقيقي ، لقد كانت علياء تخشي الناس وأحكام الناس وكلامهم ، هؤلاء الناس هم الذين يقومون باضطهاد أنفسهم بأنفسهم ولا يعطونها ما تستحقه من التقدير والاحترام ، وحينما يرون شخصاً ناجحاً أو شخصاً يسعي لتطوير نفسه بنفسه وكونه مختلفاً يرونه علي أنه غير طبيعي أو مجنون ويضيقون الفرص عليه وهؤلاء الناس أنفسهم حينما يرونه قد وصل وحقق شيئاً ما يقومون بالحقد عليه وحسده وتشويه صورته أمام الخلق وهم في قرارة أنفسهم يتمنون أن يفعلوا مثله ولكنهم يبررون لأنفسهم تقصيره ” .

أفاقت علياء من شرودها علي صوت نبيلة صديقتها وهي تعيدها إلي أرض الواقع ، متحلية بذلك الكم الكبير من الفهم والتقدير لعمق صديقتها النفسي والروحي ، نظرت علياء إلي الغداء الذي تم وضعه أمامهما علي الطاولة لقد كانت أصناف غريبة عليها وهي ” طبق اسكالوب سوتيه مع جبنة مونت دور وبطاطس مهروسة ومكرونة الرافيولي “.

لقد كانت هذه الأصناف جديدة علي علياء بالكلية وتلك الأجواء جديدة عليها بالكلية وذلك التغيير الكبير الذي قررته في حياتها لتقصي عنها شبح الماضي وشبح الظلم الذي ظلمته لنفسها الفترة الماضية .

تذوقت علياء الطعام لأول وهلة وهي تشعر بالإستغراب الشديد لمذاقه واكتشفت علياء أنها حتي قد توقفت عن تعلم أصناف وأنواع جديدة من الطعام لنفسها منذ فترة لا تتذكر مداها ربما هي لم تصنع لنفسها شيء علي الإطلاق يشعرها بالحب والتقدير لها في حياتها لأنها لم تتعلم ولم تتعود علي ذلك بعد ، حاولت علياء ألا يكون حالها طوال الوقت هو الشرود وأن تعطي صديقتها نبيلة ما تستحق من الإهتمام والتقدير لما تبذله معها من جهد كبير .

قالت لها نبيلة أنهما بعد الإنتهاء من تناول طعام الغداء سيكملان جولتهما في البرج ثم بعد ذلك لديهما جولة في متحف اللوفر بباريس ، تهللت أسارير علياء فهي لم تعتد بعد علي عيش الحياة بطريقة مختلفة وأن الحياة بها الكثير من الوفرة والكثير من الفرص لمن يريد إقتناصها والفوز بها .

تذكرت علياء وهي تتناول هذا الطعام اللذيذ والغريب بالنسبة لها مرة أخري لقائها الأخير مع طبيبها النفسي وتلك التفاصيل التي قامت علياء بسردها له عن طفولتها ومراهقتها ” لقد كانت علياء الابنة الكبري في أسرتها وكانت دائماً في منتصف المشكلات بين والديها اللذين أخذا الحياة بينهما علي أنها عبارة عن مشروع فريضة يجب عليهما العيش فيه ويجب عليهما تحمل بعضهما البعض فيه من أجل المجتمع ومن أجل كلام الناس وكان المنزل يحتوى علي الكثير من الطلاق النفسي من الداخل وظاهره الود والإحترام والتفاهم وكانت هي الطفلة التي تحتاج إلي الحب والحنان والإحتواء وطرق تعامل معينة في مراحل عمرها المختلفة ولا تعي أو تفهم شيئاً كانت تضطر إلي فض منازعتهما التي لا تنتهي وتضطر إلي الإستعانة بالأهل والأقارب لظنها أنهما يقومان بقتل بعضهما البعض ، ولكن علياء لم تجد الحب ولذلك بحثت عنه في الخارج ، وفي مراهقتها انساقت وراء مشاعرها التي لم تكن تعلم عنها شيئاً مما أوقعها في الكثير من المتاعب والمشكلات اللاحقة في عمرها وفي اختياراتها الخاطئة في زيجاتها بحثاً عن الحب والدعم المفقود في أسرتها وفي منزلها .

لاحظت صديقتها نبيلة شرودها مرة أخري فحاولت مساعدتها وعرضت عليها النظر من الشباك مرة أخري للإطلاع علي تلك المناظر الساحرة بالخارج وتستحضر اللحظة الحالية ، فقد قررت علياء عيش حياتها بنفسها دون فرض من أحد عليها مرة أخري ودون ضياع نفسي وتمزق روحي .

يتبع

قد يعجبك ايضآ