ثلاثية كورونا والناس

64

 

عبد الرحيم طايع يكتب:

لم يعد أحد في مصر ولا في العالم كله يتذكر كيف كانت الأحوال العامة قبل كورونا؛ فعلى الرغم من ظهور الوباء في ديسمبر 2019 بمدينة ووهان الصينية، أي منذ نصف عام فقط، إلا أن انتشاره السريع وتوغله في معظم الدول وما خلَّفه من أعداد الضحايا وتناثر الأنباء عنه بين الوضوح والتضارب؛ كل ذلك جعل حديثه أطغى وجعل التاريخ من قبله كما لو كان ممسوح الألواح تماما!
كتب كورونا أيضا ثلاثية قمعية خلدته وأكدت محو ما قبله، ثلاثية الحظر والحجر والعزل، ففي كل الدول التي فشا فيها، بطاقة قوية أو ضعيفة، كانت هذه هي الإجراءات الاحترازية الأساسية، أن يحظر خروج الناس إلى الشوارع وأن يحجر عليهم أن يغادروا بيوتهم وأن يعزل بعضهم عن بعض تماما مهما تكن درجة القرابة أو الصداقة (التباعد الاجتماعي الصحي).. هكذا، بالإضافة إلى توخي السلامة الشخصية بالحرص الشديد على النظافة وعدم ملامسة أسطح الأشياء وارتداء الجوانتي والكمامة في حالة قضاء مشاوير للضرورة، وبناء مسافة بين الشخص والآخرين، وصلت، في بعض التقديرات الطبية، إلى أربعة أمتار كاملة.ثلاثية كورونا والناس

لم يقف موضوع ثلاثية كورونا عند مباني ألفاظه، لكن تولدت منها المعاني بالطبع، المعاني الغزيرة المذهلة، كافتقاد الأماكن المعتادة والشعور القاتل بالوحدة والشوق إلى التلاقي، وكما تولدت أمثال هذه المعاني برزت تصرفات لم تكن موجودة من قبل، كالغناء الجماعي العلني في الشبابيك والبلكونات، والتفنن في صناعة صنوف من الأطعمة والحلويات، واتجاه الرجال والنساء إلى خانة تبادل الخبرات (الرجال في المطابخ والنساء في الأعمال اليدوية القاسية على سبيل المثال) وبين الكيانين ما بينهما من التجاذب والتنافر، إنما بصور ناصعة زاعقة تختلف عن الصور الأولى، تتجلى فيها ملامح الوافد المهيب “كوفيد-19”!
يغلف ذلك كله خوف وتوتر واضطراب وترقب، ويحيط به من كل جانب سؤال لاذع كبير: هل صارت هذه هي الحياة الطبيعية، أم أننا خسرنا الحياة الطبيعية فعليا، ونعزي أنفسنا بحياة جديدة محدودة محاولين الاقتناع بها ما أمكننا؟!
الغاية، خلق الفيروس الخطير ديناميكية أعقبت سكونا معنويا حقيقيا، ربما كان
العالم متحركا بسرعة من قبل، لكن الإنسان كان محبطا وساكنا على الحقيقة؛ ففي حركة العالم السريعة كانت الحروب والصراعات السياسية العلنية والسرية وبغي الماديات وخراب الذمم..

هذا الفيروس اللعين كشف الواقع الحي بوضوح جارح، بينما النعوش البشرية تتصدر المشاهد باسمه، وإلى الآن يتخبط الناس، وضمنهم العلماء والأطباء، في متاهات تفسير غموضه وفك شفرته وحل لغزه ومحاولة علاج وبائه، بل يقال أحيانا إنه غاز سام متسرِّب وليس فيروسا أصلا، ويقال إنه أثر الإفراط في التكنولوجيا، ويقال إنه مؤامرة كبرى سيتم تحديدها فيما بعد، ويقال إنه غزو فضائي رهيب، ويقال إنه انتقام إلهي أيضا.. لا يخلو الكلام المستمر من مبالغات فجَّة ولا يخلو، في كثير من الأحايين، من الخرافة والجهل والادعاء، لكنه يحرك الراكد، ويدفع المتخصصين وغير المتخصصين إلى الاجتهاد، بعد أن كانت العقول خاوية من الأفكار والقلوب كأنها لا تنبض بالتوقعات المتصلة بالمشاعر!

أغلبية الأجيال الحالية ببلادنا، وبلاد الدنيا، لم تشهد شيئا مهولا كهذا الشيء من قبل، وهذا بعد آخر منح الفيروس المحيِّر المضني رسوخا على ما عداه في الذاكرة، وحجما مضاعفا في مجموع المخيلة الشعبية للبشر باتساع الكرة الأرضية.

بقي أن الأمل في الغد الطيب قائم، لم تلغه المصيبة الكبرى قط ولم تشوشه، وبقي أيضا أن الدروس العظيمة المنوَّعة وافرة، وعلى الراغبين في التعلُّم أن يتعلموا..

قد يعجبك ايضآ