ندى محمود عامر تكتب : الاكتفاء الذاتى

135

بقلم: ندى محمود عامر

للوهلة الأولى حين تُعرض جملة الاكتفاء الذاتى، فالغالب يفسرها التفسير الحرفي وهو التفسير الخاطئ الذي يدفعنا إلى دائرة الوحدة.

ما المفهوم الخاطئ للاكتفاء الذاتى؟

أغلبنا يرى أن الاكتفاء الذاتى يعنى أن أكون فى حالة استغناء تام عن البشر، ويظل طوال عمره يبحث عن هذا المعنى ولكن لا يصل …
لمَ إذاً؟!

البحث عن أمر خاطئ غير موجود لن يجني سوى عدم الوصول، ما الفائدة من أن تجعل عقلك يكتظ بمفهوم خاطئ وتسعى للبحث عنه وتطبيقه ؟!!

ندى محمود عامر تكتب : الاكتفاء الذاتى
ندى محمود عامر تكتب : الاكتفاء الذاتى

للمزيد من المقالات اضغط هنا

الدليل أن هذا ليس الاكتفاء ؟

من المعروف أن العقل البشري لا يخضع للتصديق من الوهلة الأولى كأن أخبرك بأن هذا ليس المعنى الصحيح، وأن هناك عواقب لهذا الأمر بسبب تطبيقه بطريقة خاطئة فتكون أُولى أسئلتك ما الدليل ؟!!

الدليل عدة أسئلة سأطرحها عليك عزيزى القارئ، إن كان الاكتفاء الذاتى يعني أن تحيط نفسك بدائرة مغلقة ولا تدع أحد يدخلها ولنفترض أن هذا هو المقصود إذًا أليس الله بقادر على أن يخلق كل فرد منا فى دولة بمفرده؟!

دعنا من هذا ألم يكن الله قادرًا على أن يخلق آدم وحده؟!
لمَ خُلقت حواء؟!

حينما أنزل الله آدم وحواء إلى الأرض فى مكانين مختلفين لمَ جمعهم بعد ذلك؟!
هل وصلت لإجابة تلك الأسئلة؟

تخيل معي أن كل شخص خُلق بمفرده في مكان منعزل هل كان سيعرف لغة الكلام؟!
بالطبع لا، هل هو بحاجة للكلام ؟!مع من سيتحدث؟!

حينها كان سيكون مضطرًا للقيام بكل المهام بمفرده؛ لتعلم كل فنون الحياة وكان يومه مرهق بشكل مُفرط يجعله لا يتجاوز الأيام الأولى من خلقته.

خلق الله حواء ليجعلها أنيسة لآدم عليه السلام، فهذا من رحمة ربي ولكن افترقا فى أول نزولهما للأرض ليجعل الله آدم عليه السلام يقدر نعمة الأنس وأنه إن كان خُلق وحيدًا لكان شقيًّا.

إذاً إذا كان هذا هو المنهج الرباني. فلمَ أسعى إلى نواقص غير موجودة من الأساس؟!
ربما إن بحثت عن الإبرة في كومة القش سأجدها ولكن عند بحثي عن الاكتفاء الذاتي التام فإننى سأقضى حياتى كاملة فى عبث.

عواقب الفهم الخاطئ للاكتفاء الذاتى ؟!

إذا قدمنا إلى جراء ذاك المفهوم، سنجد أنه يقودنا إلى الوحدة الأمر أشبه بفهم خاطئ يزرعه الشيطان فى مخيلتك أن فى هذا ستجد الراحة وأن هذا هو المعنى الصحيح! فيجعلك تنفر من البشر وتُستدرَك فى دائرة الوحدة بلا شعور، فى البداية يهيئ لك أن هذا الأمر مريح وأنك بذلك ستتجنب كل أذى تتعرض له ولا حاجة لك بأحد.

إذا كان هذا الأمر صحيحًا؛ لمَ خلقنا الله شعوبًا وقبائل ؟!

دعنا من هذا لم خلق الله لك يدين وقدمين ولم يكتفى بخلق واحدة من كل منهما؟!
تلك دعوة من الله للتدبر فى خلقه، فلو خلق الله لك يدًا واحدة كانت ستصعب عليك الكثير من الأمور وحالها كان سيلقى بك هذا الأمر إلى اليأس من رحمته حاشانا جميعًا هذا الأمر.

لا تستسلم لهذا التعريف الذى يقودك إلى الوحدة، ومن ثَم إلى اليأس والاكتئاب ثُم إلى الهلاك لا محالة.

ولكن ما المعنى الصحيح ؟!

المعنى الصحيح للاكتفاء الذاتي هو أن تحب ذاتك، أو أن تجعل حياتك غير متوقفة على العابرين بها. لأضرب لك مثل لتوضيح الأمر حياتك، مثل السماء وجود الأشخاص بها هى النجوم التى تزينها ولكن إن غابت النجوم فهذا لن يضرك ولن يقلل من جمال السماء هكذا هى حياتك اجعل من يستحقك هو من يدخلها ومن يرحل فهذا لا يضرك.

الاكتفاء الذاتى يعنى أنك غير ناقص بغياب شخص ما لا يعنى الانعزال بل المشاركة مع الآخرين والاستمتاع بذلك.

يعنى عدم رهن وجودك بشخص وعدم رهن سعادتك بشخص عابر أو موقف يعنى استقلالية النفس والمشاعر، ولن تصل إلى المعنى الصحيح إذا جعلت المفهوم الخاطئ يستوطن عقلك ويملأ عليك نفسك حتى تجد نفسك أسير الوهم ثم تعود لتسأل من جديد لمَ هذا ؟!

كل ما هو حولك ليس سوى إضافة ولمسة جمال لحياتك، فلا تستغنَ عن كل الجمال، وتعود تسأل أين هو؟!

يعنى حب الذات أو مبدأ الرضا النفسى والتسامح الذاتى، فحينما تحب ذاتك وتستشعر قيمتها سيقدرك من حولك فأنت مرآة ذاتك التى يراك فيها الجميع وعلى حسب ما يظهر لهم منك سيتعاملون معك سيبادلونك نفس نظرتك لذاتك.

الاكتفاء الذاتى هو أن تبحث فى رحلة عن ذاتك التى لا يستطيع أحد أن يصل إلى عمقها سواك؛ تصل إليها وتنظر نظرة رضا إلى حياتك ثم تبدأ فى بحث جوانب النقص ومحاولة لتجميلها، ثق دائمًا بأنك تستحق الخير وأن الانعزال عن العالم والوقوف دون الحراك ليس حلاً بل تضخيمًت لمشكلة كان من الإمكان أن تُحل وبأقل الخسائر لذا حينما تود الاكتفاء الذاتى فلتفرق أولاً بين المعنى الصحيح والخاطئ.

قد يعجبك ايضآ