عبد الرحيم طايع يكتب: مأساة الأقصر

50

 

عبد الرحيم طايع

كانت أولى حالات اكتشاف الإصابة بكورونا في مصر، في أوائل مارس الماضي، هي على ظهر باخرة نيلية قادمة من أسوان إلى الأقصر، تم الرصد حينئذ والتعامل الصحي مع الموقف الخطير بما يلزمه من إجراءات وقائية صارمة، لكن كان من الطبيعي بعد ذلك أن يشعر الأقصريون بالذات بهلع مضاعف؛ إذ ثبت ظهور الوباء العالمي في مصر عندهم أولا، بالإضافة إلى كون محافظتهم هي أكبر محافظة مصرية تضم وافدين أجانب للسياحة الأثرية، وهم يشاهدون بأعينهم توغل الفيروس في شرق العالم وغربه.
لم يكن الإجراء الذي اتخذته وزارة الصحة، في حينه، كافيا بالصورة التي تحمي المحافظة بأكملها، المحافظة العريقة التي كانت عاصمة البلاد في التاريخ الفرعوني السحيق، كان الإجراء احترازيا في محيط ما جرى اكتشافه، وكان الواجب أن يتم عزل الأقصر عزلا سريعا، بعد إيقاف الحركة السياحية فيها تماما، وأن تمعن المؤسسة الصحية في تطهيرها وتعقيمها، وإمداد أهلها بالإرشادات الطبية الضرورية، وتوفر لمن قد تظهر عليه منهم أعراض الإصابة أماكن للعزل والحجر داخلها، إلى أن تنجلي الأمور.. لكن شيئا من هذا، بعموميته، لم يحدث!
صار الأقصريون لا يعرفون مصيرهم إذا قدر الله عليهم الإصابة اللعينة، ومركزهم اللصيق إسنا، مستشفاه ذو السمعة الإيجابية كامل العدد على الدوام، فهو يستقبل الأجانب المقيمين والمصريين بامتداد المحروسة، وعلى هذا صارت الحالات المصابة بينهم تذهب إلى مستشفيات بعيدة ومزدحمة بأسوان أو شديدة البعد، ولها تكاليفها المادية والمعنوية، بالمنيا، ومن شاء المكوث في بيته من هذه الحالات المبتلاة، ليتداوى بالأدوية العادية والراحة وتقوية المناعة؛ مكث منكمشا ومرعوبا طبعا.
هم لا يشكُون، وضمنهم المثقفون عميقو الرؤى، من افتقارهم إلى الرعاية الصحية القريبة الأمينة فحسب، لكنهم يشعرون بلا مبالاة المسؤولين واختراق أفراد عابثين لحالة الحظر، ومع ذلك يشهدون للشرطة بالكفاءة والإخلاص، وقد انتشر المرض في المحافظة، للأسف، بحيث عُزِلَت قرى بأكملها وبيوتٌ بسكَّانها وتفاقم السوء..
بعض أهالي المدينة (عاصمة المحافظة) يقوم بتنظيف منطقته بيديه، معرضا
نفسه لخطر العدوى؛ لأن مستوى النظافة ليس مطمئنا في ظل أجواء موبوءة، وليس لائقا بالمدينة العبقرية من الأساس.. المدينة التي لا يصح إلا أن تكون كعروس مزدانة في عيون الناظرين إليها دائما أبدا.
إذا كان الهلاك الاقتصادي يقترب من الجميع فإنه أكثر اقترابا من الأقصريين بالذات؛ فمعظمهم من العاملين في مجال السياحة بطبيعة الحال، وليس لهم موارد سوى مواردهم السياحية غير الثابتة أصلا.. وكم قلنا إن الأقصر المعاصرة قصَّرت في خلق موارد أخرى، وانعكس تقصيرها، المنسوب إلى الحكومة والمستثمرين، على إنسانها المظلوم بعمله الواحد ومصدر دخله الواحد.. ولعلها الفرصة الأخيرة، وسط هذا الضنك الشديد، أن ينتبه الحكوميون بعد ذلك والمستثمرون، بل إنسان الأقصر نفسه الذي يضيره مباشرة تعطُّل السياحة، إلى أهمية خلق مجالات أخرى للعمل، توفِّر دخولا ثانية.
الأقصر مأساتها مستمرة، قبل كورونا وبعده، وفي الخطوط الأمامية لمأساتها السرمدية عدم تفهم طبيعتها الاقتصادية المؤسفة تفهما يحوِّل الأسف إلى أمل، وعدم تفهم طبيعتها الاجتماعية المختلطة بكل الجنسيات تقريبا، بحيث يزيد التفهم نسيجها رحبة وتنوعا ولا ينقصها، بل يمنحها الخصيصة الكوزموبوليتانية، وعدم تفهم خصال مواطنيها الصعايدة الجنوبيين الأكارم، وإن من الغباء والتفاهة أن يصفهم واصف بالتخلف؛ فهم متحضرون بالبداهة لأنهم مُلَّاك فلكلور عبقري وعادات وتقاليد أصيلة حميمة، كما أنهم موجودون في قلب حضارة سامقة، ولو تفهمت الحكومات المتعاقبة معنى إيقاظ غفوتهم وتصفية مشاكلهم لابتعثت تحضُّرهم العظيم لنفعهم به ونفع الوطن بأسره

قد يعجبك ايضآ