قصة غير قصيرة

55

بقلم : ريهام المكاوى

نظر إليها ذلك الطبيب المخضرم وهي تتحدث وفكر وبين نفسه قائلاً “تلك السيدة كانت ضحية لعادات وأفكار خاطئة وأساليب تربية خاطئة ، تلك السيدة لم تحصل على الإشباع العاطفي والنفسي والروحي اللازم في طفولتها ولذلك ظلت تبحث عنه وتعوضه بطرق خاطئة بعيداً عن الرغبة الحقيقية في الإرتباط ولذلك كان نصيبها الفشل الذريع ، تلك السيدة ربما قد توفى الله ابنها الوحيد لأنها لم تكن لتعطيه الإشباع العاطفي والنفسي الكافي لأنها نفسها لم تستطع إعطائه لنفسها، تلك السيدة لم تعش أنوثتها من نفسها لم تعرف كيف تشعربها ،تلك السيدة تحتاج إلى تعلم الثقة بنفسها، تحتاج إلى أن تفتح ذراعيها للحياة وتقول لها نعم بكل ما فيها ولا تخشى المحاولة والتجربة والخطأ والفشل ، على وجه الدقة لا تخشى أن تكون إنسانة ، تلك السيدة تعرضت لأساليب تربية كابتة والتي تقتل في الطفل تلقائيته وشغفه لكيلا يسبب للمربين الإزعاج أو الضوضاء وكان عليهم أن يعلموا أن جزء من مسئوليتهم الأساسية حينما أرادوا أن يصبحوا آباء هو أن يتحملوا صخب الطفل ووصبه وتلقائيته الطبيعية كي ينمو بطريقة سليمة ، تلك السيدة تحتاج إلى أن تحب نفسها بنفسها وأن تتقبلها كما هي بعيوبها، بضعفها، ببشريتها ، بعفويتها ، تلك السيدة تحتاج أن تعلم ان قيمتها أكبر من ذلك وأنها بمفردها بحد ذاتها قيمة وما ينتج وما يصدر عنها من أفعال تؤثر بها علي المحيط الخارجي بأي مجال من المجالات أو صورة من الصور هو نتاج لكونها مخلوقة عظيمة من صنع يدين رب عظيم أسجد لابن آدم ملائكته ونفخ فيه من روحه ” كل ذلك وأكثر تحتاج أن تعرفه وتعلمه تلك السيدة ولكن مهلاً إن ذلك لن يحدث بتلك السهولة ولابد له أن يأتي بالتدريج ،تلك السيدة تحتاج أن تتقبل نفسها أولاً وتحبها ثم بعد ذلك تعيد التئام روحها الطبيعية ” .

توقفت علياء عن الحديث حينما رأت تحديق طبيبها النظر فيها وحينما رأت أنه انتبه لها غاية الإنتباه بصورة مبالغ فيها ، فآثرت أن تجعله يفيق من شروده حتى تعلم (ما الذي قام باستنتاجه من حديثها ؟، وما هي خطة علاجه معها ؟) انتبه الطبيب المخضرم إلى توقف علياء عن الكلام والإسترسال في الحديث ، فنظر إليها نظرة اطمئنان أن تستمر في الحديث الخاص بها وألا تتوقف عن الاسترسال واعتذر لها عن شروده ، ولكنه قد بدأت تتضح لديه الصورة كاملة في كل شيء ،وطلب منها قبل انتهاء موعد الجلسة أن تذكر له سبب آخر من الأسباب التي تذكرتها لمشكلتها .

فشردت علياء في الأفق البعيد تحاول أن تتذكر بعضاً من تلك الأسباب والأحداث التي تسبب في آذيتها نفسياً وعاطفياً على مدار تلك الأعوام (فتذكرت علياء تلك الصديقتين رفيقتا السوء والتي حينما كانت في مرحلة المراهقة وتتفتح مشاعرها بأحلام الحب الجميلة الرومانسية الزائفة وكانتا جارتان لها ، كان هناك شابان يسكنان بجوارهما وكانت تلك الفتاتان هما من تقومان بلفت نظر هذين الشابين إليهما تحت مسمى الحب والإعجاب بدون اى أدب أو حياء أو وعي أو حتي إيمان بالله العلي القدير في نية الزواج واللائي كن لا يعرفن عنه شيئاً ولا عن تبعاته ولا عن أخلاقيات الفتاة وفطرة الحياء التي فطرها الله عزوجل عليها وأنهما السبب الرئيسي في أن تأخذ مشاعرها تلك ،هذا المنحدر اللاعقلاني في التفكير .

كانت نبيلة تنتظر بالخارج بفارغ الصبر ، خروج صديقتها من عند الطبيب في الوقت الذي بدأ فيه المرضي الآخرون في التململ والتبرم لطول الجلسة وخرجت علياء وهي يعلو ثغرها ابتسامة هادئة لقد بدأت طلاسم حياتها بالإنفكاك رويدا رويدا وبدأت الصورة كاملة تتضح أمامها .

(هيا يا علياء لقد أعددت لكي مفاجآة) ، قالت لها ذلك صديقتها نبيلة فجعلتها تفوق من شرودها ونظرت إليها علياء بشيء من عودة الروح التي هاجرت صاحبها طويلا ( ما هي هذه المفاجآة ؟). لقد أعددت جولة لكي رائعة في برج إيفل السياحي أحد أشهر معالم باريس .

فنظرت إليها علياء وابتسامة تعلو ثغرها لأول مرة منذ زمن طويل استعداداً للقيام بالجولة المرتقبة .

يتبع ،،،

قد يعجبك ايضآ